مدير أمن لحل أزمة الغاز وعميد في الجيش لصندوق النظافة.. عسكرة الوظائف المدنية في حضرموت

مدير أمن لحل أزمة الغاز وعميد في الجيش لصندوق النظافة.. عسكرة الوظائف المدنية في حضرموت مدير أمن ساحل حضرموت يترأس اجتماع لحل مشكلة الغاز المنزلي

"بتكليف من المحافظ البحسني.. مدير أمن ساحل حضرموت العميد التميمي يجري لقاءات مكثفة لمعالجة أزمة الغاز المنزلي" لم يكن هذا الخبر مزحة ثقيلة، بل هي آخر إصدار من الأساليب الغريبة، التي يتبعها محافظ حضرموت اللواء فرج سالمين البحسني، لإدارة كبرى محافظات الجمهورية.

ولم يكن كثير من المتابعين ليصدق هذا الخبر الذي يبدو غريباً، لولا أن صفحة أمن حضرموت على فيس بوك، لاتزال تتصدرها أخبار اجتماعات أزمة الغاز المنزلي، التي يترأسها رجل أمن يحمل رتبة "عميد"، ويغيب عنها ممثلو مكاتب الصناعة والتجارة، وغرفة صناعة وتجارة ساحل حضرموت.

وتعليقاً على ما جرى، قال الصحفي معتز النقيب وهو أحد سكان مدينة المكلا "ليست كل أزمة في المحافظة نكلف إدارة الأمن بحلها، هنالك مكاتب وزارات مختصة بمعالجة كل مشكلة ضمن نطاق اختصاصاتها" وأضاف ساخراً في منشور على صفحته في فيس بوك " ضانة (معزة) هربت من الحوش، اتصلوا بإدارة الأمن، خط النت ضعيف، بلغوا إدارة الأمن، صاحب مقهاية رفض يعمل شاي بالحليب، اشتكوا به في إدارة الأمن ..".

وتكليف البحسني لرجل أمن بحل "أزمة الغاز"، ليست استثناء في طريقة إدارته للأزمات في المحافظة، فهناك حزمة شواهد على هذه الظاهرة، عرفتها المحافظة خلال عامين من تولي البحسني زمام أمورها، في واحدة من أشد الأوقات حساسية.

وفي هذا الإطار، كان البحسني قد عين عميد ركن في الجيش يدعى عبدالله باكوبن قائمًا بأعمال مدير عام صندوق النظافة والتحسين بساحل حضرموت، على إثر أزمة تكدس القمامة في شوارع وأحياء مدينة المكلا في مايو 2018م، والتي تسببت آنذاك في اندلاع احتجاجات شعبية وقطع للطرقات، وهذا التعيين يكاد يكون أغرب قرار في تاريخ المحافظة.

ومهمة العميد "عبدالله باكوبن" لم تقتصر فقط في استدعائه كمنقذ لانتشال مدينة المكلا من نفاياتها، فهذا الأخير هو "السوبر مان" كما يحلو للبعض أن يطلق عليه، فإلى جانب تكليفه بإدارة صندوق النظافة فهو يرأس أيضا لجنة إزالة العشوائيات، ويبرز في كثير من الملفات والحوادث الحساسة.

وكان مشهد باكوبن وهو يحطم بسطات الباعة المتجولين في أحد شوارع منطقة الشرج وسط المكلا الأسبوع الماضي، بحجة "العشوائية" أشبه بفعل "بلطجي"، يكرس الصورة الذهنية لدى المواطن بتعزيز دور الجيش والأمن على حساب تفعيل مؤسسات الدولة، إذ أثارت الحادثة استنكار وغضب المارة، جراء التعامل غير المهني مع "بسطاء" يبحثون عن ريالات يسدون بها حاجتهم، حسب ما تحدث ناشطون على مواقع الواصل الاجتماعي.

في مساء ذات اليوم، نشر مواطن بلاغًا في صفحته على فيس بوك يتهم باكوبن بإيقاف العمل في مشروع استثماري، واعتقال اثنين من العاملين في سجن لا يتبع جهاز الأمن.

وفي سياق التدخلات العسكرية في العمل المدني، كان موظفو الهيئة العامة للأراضي بساحل حضرموت قد علقوا عملهم أواخر 2017م احتجاجا على تدخلات باكوبن، واعتقاله عدد من الموظفين ومنع آخرين من مزاولة عملهم بعيداً عن الطرق القانونية.

وعلى الرغم من تكرار الحوادث التي يتصدرها قادة عسكريون، إلا أن أكثر القضايا التي أثارت جدلاً خلال الأشهر القليلة الماضية هو تجاوز البحسني وعبر أذرعه الأمنية والعسكرية الأحكام القضائية، الأمر الذي تجلى في قضية الأرض المتنازع عليها بين آل باحيدان من جهة وآل باداؤود من جهة ثانية، والتي تقع خلف منصة العروض في شارع الستين، والتي كان القضاء قد أصدر حكما يقضي بملكيتها لآل باحيدان، لكن التعامل العسكري ظهر مرة أخرى من خلال تجاوز الأحكام القضائية ومحاولة تمكين مستثمر من الأرض.

وشهدت القضية سجالات واسعة بين قيادة السلطة المحلية ممثلة بالمحافظ، والسلطة القضائية ممثلة بمحكمة الاستئناف، حيث اتهمت الأخيرة المحافظ بالتدخل "السافر" في القضاء ومخالفة الدستور وقانون السلطة القضائية، مهددة إياه بالمساءلة القانونية. وبين شد وجذب عادت المياه إلى مجاريها بعد لقاء تصالحي بين الطرفين.

ومع أن محافظ حضرموت يمتلك طابورًا طويلًا من الوكلاء والمستشارين إلا أن أيا منهم لا يمتلك صلاحية كافية لممارسة مهامه على ما يبدو، وهذا ما يظهر واضحًا حال غياب المحافظ، إذ تنهار معظم الخدمات في مدينة المكلا، وهنا يبرز تساؤل مهم، هل هؤلاء المسؤولون ضعيفون لهذه الدرجة أم جردوا من صلاحياتهم، لصالح تمكين رجال الأمن والجيش.

وفضلاً عن حالات اعتقال واستدعاء لمسؤولين محليين، التي تتم بين حين وآخر بعيداً عن الطرق الرسمية، يبدو أن ظاهرة عسكرة الحياة المدينة في طريقها للتصاعد في ظل هشاشة الدولة وضعف الحكومة المركزية وأجهزة الرقابة والمحاسبة، الأمر الذي يعزز من نفوذ السلطات في المحافظات.

ووفقاً لمتابعين، فإن البحسني يسعى من خلال تكريسه لعسكرة الحياة، وتكليف المقربين منه بإدارة ملفات حساسة إلى إبقاء جميع الملفات تحت تصرفه، تحاشيًا لبروز شخصيات مدنية تكتسب رصيداً شعبياً تهدد منصبه، وهو ما أفرز وضعًا إداريًا بدا فيه طابور الوكلاء كأصحاب مناصب شرفية.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك