إحياء الموروث الشعبي.. حماية الهوية اليمنية من التجريف وتمرد على ما تفرضه الأٌصوليات الدينية

إحياء الموروث الشعبي.. حماية الهوية اليمنية من التجريف وتمرد على ما تفرضه الأٌصوليات الدينية فتيات يمنيات بالزي التقليدي (إرشيف)

عبدالهادي: في مثل هذه الأوقات والصدمات تتحسس المجتمعات ذخيرتها الحضارية والثقافية لتجذير هويتها في وجه ما يتهددها من أخطار

الحرد: بعد ثورة فبراير والإنعتاق من الهيمنة المناطقية بدأ الناس يطرحون موروث مناطقهم

كان عدم ارتداء هؤلاء النسوة للحجاب [النقاب] يدل على تمتعهن بحرية أكبر من مثيلاتهن في دول المشرق ونتج عن ذلك اكتسابهن سهولة التعامل وثقة في كل سلوكهن، وعندما كنا نشتري القات، كان "العزي" يُحبّ أن يطيل المساومة وبأسلوب مسلٍ لهن ولي، ينم عن خفة ظله وسرعة بديهته، ولم أكن ألحظ عليهن الحرج والضيق الذي يبدو عادة على نساء المشرق عند وجود الرجال» (ص19)
من كتاب بول إميل بوتا (رحلة إلى اليمن) يتحدث فيه عن بائعات القات في جبل صبر.

التراث ليس فقط مبانٍ وقطع أثرية إنما أيضاً عادات الشعوب وتقاليدهم، أزيائهم، حرفهم اليدوية، أكلاتهم وأغانيهم ورقصاتهم وغيرها مما  توارثته الأجيال وحفظته من الاندثار.

على موقعها الإلكتروني تقول اليونسكو مصطلح (التراث الثقافي) قد  تغير في مضمونه في العقود الأخيرة، وتُرجع بعض من تلك التغيرات إلى الصكوك التي وضعتها، وتوضح بأن "التراث الثقافي لم يعد يقتصر على المعالم التاريخية ومجموعات القطع الفنية والأثرية، وإنما يشمل أيضاً التقاليد أو أشكال التعبير الحية الموروثة من أسلافنا والتي ستنقل إلى أحفادنا، مثل التقاليد الشفهية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والمناسبات الاحتفالية، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، أو المعارف والمهارات المرتبطة بإنتاج الصناعات الحرفية التقليدية".

إرث حضاري


اليمن أرض غنية بإرثها التاريخي والحضاري الثقافي المتنوع، إرث طاله إهمال وتدمير متعمدين، قد يمثل الموروث الشعبي في بلادنا منطقة جغرافية أو ديانة اوفئة أو يوثق لفترة زمنية معينة، لكن في كل الأحوال يظل هذا التنوع إرثاً وطنياً وإنسانياً وجب حمايته والحفاظ عليه.

وتعد الأزياء التقليدية جزءً من هذا التراث الذي كاد أن يندثر، والزي التقليدي في اليمن متنوع بتصميماته وألوانه ونوع قماشه، يختلف من محافظة إلى أخرى وحتى على مستوى المحافظة قد يختلف من مديرية ومن قرية إلى أخرى، فالأزياء ابنة ونتاج بيئتها (جغرافية ومناخ المنطقة وحياة اجتماعية وسياسية) للمناطق الجبلية زيها كما للمناطق الساحلية والصحرواية زي خاص بها، ولكل مناسبة أزياؤها واكسسواراتها وتختلف من منطقة لأخرى، قد تتقاطع هذه الأزياء وتتشابه في الشكل أو في بعض التفاصيل لكن يبقى لكل زي طابعه الخاص والمتميز عن غيره.

ومما يجدر توضيحه هو أن الملابس التقليدية باهظة الثمن، وهو الأمر الذي دفع الكثير من  الأشخاص  إلى اقتناء التقليد منها أو استئجارها في المناسبات.

اتفاقية 1972م حددت التراث بالمواقع الثقافية والطبيعية في تعريفها للتراث ولم يشمل التعريف كل الموروثات الشعبية، وغالباً كلما ذكر تراث تقفز إلى الذهن تلك المباني والقطع الأثرية والتاريخية، ثم توسعت اتفاقية 2003م بتعريف أشمل وأعم للتراث الثقافي.. المادة الثانية تعرفه على أنه "الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات - وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية - التي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءاً من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلاً عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وهو ينمي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها ويعزز من ثم احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية.. الخ وأكدت المادة الأولى من الاتفاقية على"صون التراث الثقافي غير المادي؛ احترام التراث الثقافي غير المادي للجماعات والمجموعات المعنية وللأفراد المعنيين" ثم جاءت اتفاقية 2005م مكملة للاتفاقيتين.

كانت مسودة الدستور اليمني الصادر مطلع 2015م قد نصت المادة الـ63 منه على أن "تكفل الدولة صون التنوع الثقافي واللغوي للمجتمع، وترعى الإبداعات الأدبية والفنية والثقافية والموروث الشعبي".

هوية وطنية


ليلة عيد الأضحى على سطح المنزل في قريتنا الصغيرة كنت انتظر علّي ألمح ضوء مصباح يدوي آتٍ من بعيد، ربما تلك اليد الممسكة بالمصباح هي يد خالي، هل سيأتي لي بملابس جديدة للعيد؟

كنت طفلة عندما احضر لي طقم ملابس جديد تقليدي (الزي الصبري) كان الطقم أنيقاً، لونه اسود تزين صدره وأطراف أكمامه نقوش وتطريز بألوان عديدة زاهية وجميلة، وقتذاك لم يعجبني، غضبت منه، بالنسبة لطفلة هذا اللبس لاترتديه سوى العجائز، وتساءلت  بيني وبين نفسي: لماذا لم يأت لي بفستان أنيق أو بطقم جينز وبلوزة كبنات الجيران، أو مثل ذلك الفستان الزهري الذي أهدتني إياه خالتي في عيد العام الماضي؟

ويوم العيد لم أرتده، تركته للأيام العادية، ثم حين كبرت تذكرت أناقته وعرفت أنه ليس لبس العجائز، وأنه ليس مجرد قطعة قماش زاهية الألوان بل هو جزء من هويتنا الوطنية، إرث لا يقدر بثمن، ثم حرصت بشكل كبير أثناء مشاركاتي خارج اليمن على ارتداء الزي اليمني التقليدي ولمختلف مناطق اليمن، كنوع من التعريف بثقافتنا وتراثنا الجميل، وتغيير تلك الصورة النمطية عن ملابس المرأة اليمنية وأن لبسها ذلك السواد القادم من خارج الحدود، السواد الذي كان يهدف إلى لقضاء على ألواننا اليمنية الزاهية والمتنوعة  بحجة أن الأسود شرع الله، كان ولا يزال من المهم تعريف الأخر بالثقافة والأزياء اليمنية وبما هو دخيل عليها.

ولأنه ليس مجرد قطعة قماش بل هو جزء من هويتنا اليمنية فقد أثار ظهور الدكتور ياسين سعيد نعمان سفير اليمن في المملكة المتحدة بزي شعبي يمثل الشمال والجنوب أثناء تقديم أوراق اعتماده كسفير لليمن لدى المملكة المتحدة إعجاب رواد مواقع التواصل الاجتماعي، منهم من رأى فيه اعتزازاً بالهوية اليمنية، ومنهم من رأى فيه تأكيداً على وحدة اليمن، وتحليلات واستفسارات عن دلالة ظهوره في مناسبة رسميه بزي شعبي وماهي الرسالة التي أراد توجيهها!

ظهور عدد من السفراء بالزي الشعبي مناسبة لافتة لتقديم الزي الشعبي والتعريف به بوصفه جزءاً من هوية ثقافية للشعب الذي يقدم السفير أوراق اعتماده باسمه يقول الكاتب الصحفي خالد عبد  الهادي: هي منصة جيدة للتعريف بزي ما ولا تتكرر كثيراً.

في العام 2004م الرئيس السابق على عبد الله صالح وفي قمة الدول الثمان الصناعية التي عقدت في الولايات المتحدة ظهر بزي شعبي ثوب أبيض وعمامة وجنبية، ظهوره بذلك الزي كان قد أثار جدلاً بين مؤيد ومعارض، الغاضب رأى في ظهوره بذلك الزي مناطقية وتعبير  عن النزعة الانفصالية لدى الرجل كون ما ارتداه يمثل مناطق شمالية ولا يمثل كل اليمن.

يقول الدكتور حسن الحرد سفير اليمن في ليبيا والذي ظهر هو الأخر بزي شعبي أثناء تقديم  أوراق اعتماده كسفير غير مقيم في مالطا: من العرف في السلك الدبلوماسي ارتداء الزي الرسمي أو الشعبي  أثناء تقديم اوارق الإعتماد، وقد خُيرت فاخترت الزي الشعبي.

وأضاف: اليمن متنوع بأزيائه الشعبية ولهجاته وأغانيه واكلاته وغيرها، وليس هناك مرسوم يلزم بزي شعبي خاص ولكن جرت العادة أيام صالح تقديم الزي الشعبي على أنه الصنعاني وأنه يمثل كل اليمن وهذه سياسة مناطقية كان يمارسها صالح، لكن بعد ثورة ١١ فبراير والانعتاق من الهيمنة المناطقية بدأ الناس يطرحون الموروث الشعبي لكل منطقة.

وتابع: اجتهدت وحاولت التنويع فالزي الذي ارتديته ليس كله تهامي، ارتديت الكوفية الخيزران وهي تهامية وخاصة شمال تهامة، وارتديت المقطب والكوت والغترة (إزار وسترة وعمامة).

ويؤكد الدكتور الحرد على أهمية إظهار الموروث الشعبي خصوصاً في بلد جديد مثل مالطا، دولة أوروبية، اليمن بلد غير معروفة فيها لدى عامة الشعب، والظهور بالزي الشعبي عمل نوع من التعريف باليمن.

وأردف: رئيسة مالطا أعجبت بالزي وسألتني عنه أثناء حفل الاستقبال في قصرها في المساء.

حين قدمت سحر غانم  سفيرة اليمن في هولندا أوراق اعتمادها كسفيرة فوق العادة ومفوضة غير مقيمة لليمن لدى مملكة السويد فعلت الشيء نفسه حين ظهرت مرتدية الزي التقليدي وحلي يمنية. 

مقاومة العولمة

في الوقت الذي يسخر البعض  ممن يحذرون من العولمة  وتجريف هويتنا وثقافتنا، وصبغ كل المجتمعات بلون ثقافي واحد، ويتهمون الرافضين والمقاومين للعولمة بأنهم شعوب رافضة للحداثة والتطور وبأن تخوفهم مبالغ فيه -  مفكرون وباحثون وكتاب عرب وأجانب منهم الجابري يحذرون من خطورة عولمة الثقافة فالعولمة الثقافية تعني إذابة كل ثقافات الشعوب في ثقافة واحدة  البعض  حددها بـ (أمركة الثقافات أو أمركة العالم).

يقول الدكتور محمد عابد الجابري "لاتوجد ثقافة  عالمية واحدة، إضعاف سلطة الدولة والتخفيف من حضورها لفائدة العولمة ومؤسساتها يؤديان حتماً إلى إيقاظ أطر الإنتماء السابقة على الأمة والدولة، كالقبيلة والطائفة والعرق والجهة والتعصب المذهبي..الخ، والدفع بهما جميعاً إلى التناحر والإفناء المتبادل، إلى تمزيق الهوية الثقافية الوطنية والقومية وإلى الحروب الأهلية".

هناك فرق بين تلاقح الثقافات وبين التبعية والهيمنة وفرض القوي ثقافته على الأخر الضعيف بالقوة، والقوة ليست بالضرورة قوة المستمر العسكرية بل قوته الاقتصادية وسيطرته على التكنولوجيا، فالعالم ليس مجتمع واحد، لكل شعب ومجتمع ثقافته وهويته وعاداته وخصوصياته , الموقف الرافض للعولمة ليس رفضا للتطور لان العولمة في الاساس لا تمثل تطورا للمجتمعات, بل استلاب واقتلاع ثقافات وهويات المجتمعات ,وتذويب ثقافاتهم في ثقافة عالمية واحدة لصالح  (الأمركة ) تحت يافطة المعاصرة والحداثة.

فبراير استرداد  المهدور

تزايد الاهتمام بالموروث الشعبي اليمني، ليس داخل اليمن فقط، ففي غربتهم يحرص اليمنيون على  ارتداء ملابسهم التقليدية في مناسبات مختلفة وأداء رقصاتهم الشعبية، وحتى أعراسهم غالبا ماتكون يمنية؛ ليس هذا فقط بل إن الفتيات أصبحن يتباهين بالأزياء الشعبية، قد يضفن لمسات عصرية مع الاحتفاظ بهويته وتميزه، وكذلك الشباب يفتخرون وهم يرتدونها في أعراسهم وفي مختلف المناسبات الوطنية والاجتماعية، ستجد بعض المطاعم اليمنية تزين جدرانها قطع من هذه الأزياء.

ومع الحرب التي تشهدها البلاد وشعورهم بخطر يهدد هويتهم ووحدتهم الوطنية والى جانب دغدغة مشاعر اليمنيين الوطنية بأغانٍ تراثية، يلجأ اغلب من يشاركون في المسابقات خصوصا الغنائية إلى ارتداء الزي الذي يعزز انتماءهم لليمن وارتباطهم بها، ومن أجل كسب قلوب اليمنيين.

يرى البعض إن هذه العودة اللافتة للزي الشعبي هي تمرد على مافرضته الأصوليات الدينية من زي دخيل على المجتمع اليمني، ودفاعاً عن التنوع الثقافي فيه ومواجهة تجريف الهوية، واليوم  اليمنيون يواجهون خطراً آخر أصولية أخرى (جماعة الحوثي ومشروعها الديني الطائفي) المشروع الذي يجرف الهوية والتنوع ويدمر النسيج الإجتماعي.

يقول خالد عبد الهادي: الأزياء الشعبية جزء من الهوية الثقافية والإرث الحضاري للشعوب والمجتمعات. في مرحلة سيادة الأصوليات الدينية من جهة والعولمة الثقافية من جهة ثانية كانت الأزياء الشعبية اليمنية -خصوصاً أزياء المرأة- من بين أكثر الموروثات الثقافية الحضارية عرضة للاستهداف لاسيما من الأصوليات.

وزاد: "شكلت الخضة الهائلة التي أحدثتها ثورة فبراير الشعبية السلمية في 2011 مفتتحاً لرحلة بحث عن الذات الجمعية اليمنية واسترداد المهدور منها ثم زادت الحرب الأهلية والتدخل الإقليمي النافذ فيها منذ 2015 من تعميق الإحساس بإلحاح هذه المهمة، فكان من الموائم أن ينصرف كثيرون إلى إحياء الموروث الثقافي الشعبي بما فيه الأزياء بوصفها جزء من هوية الذات اليمنية (بصرف النظر عن التفسيرات الماضوية وما قبل الوطنية لهذه الذات)".

مختتما:" إنها محنة ذاهلة لليمنيين وفي مثل هذه الأوقات والصدمات تتحسس المجتمعات ذخيرتها الحضارية والثقافية لتجذير هويتها في وجه ما يتهددها من أخطار".

بيت الموروث

كانت منظمات قد بدأت تعمل في مجال حماية الموروث الشعبي، مثل بيت الموروث الشعبي الذي أسسته الكاتبة المهتمة بالموروث الشعبي أروى عبده عثمان، تأسس البيت في ابريل 2004م بعد زيارات ميدانية نفذتها أروى عثمان لتجميع وتوثيق ما استطاعت من التراث اليمني بمختلف أنواعه ومن مختلف محافظات  وقرى ومديريات اليمن.

نظم البيت عدد من الفعاليات منها مهرجان المدرهة الأول منتصف يناير 2005، وإصدار كتاب (قراءة في السردية الشعبية( وعدد من الندوات والمهرجانات.

قاتلت أروى عثمان من أجل الاستمرار في الحفاظ على هذا الموروث وما تم تجميعه وتوثيقه، لكن وبسبب الظروف المادية التي واجهتها أغلق البيت مطلع مايو 2010م و في بيان الإغلاق الذي  صدرعن بيت الموروث جاء فيه "حتى لا يتهدم البيت بما فيه وعلى من فيه اضطررنا آسفين إلى إغلاقه بوجه الزائرين والباحثين والطلاب مؤكدين أن برامج البيت وندواته وإصدارته وكل ما يتصل بنشاطه البحثي سوف يستمر، وإن أغلق البيت بما هو متحف ومزار ثقافي و سياحي إلى حين".

أغلق البيت وإعلان الإغلاق نشرته وسائل إعلام رسمية ووسائل إعلام الحزب الحاكم وقتها والذي تعامل مع الأمر وكأنه لا يعينه!

****

لا يمكن اقتلاع الهوية اليمنية من جذورها، محاولات تنجح ثم تنحسر لأنها دخيلة على البلاد وعلى المجتمع، سترى امرأة في شوارع صنعاء وخصوصا في صنعاء القديمة ترتدي الستارة الصنعانية بألوانها البهيجة، وستجد بائعات القات والخضروات في أسواق تعز بزيهن الصبري  وتتزين رؤوسهن بالمشاقر، وفي حضرموت ستجد تلك النقوش وذلك التطريز الأنيق وذلك التنوع الجميل في ملابس النساء، وفي عدن ومختلف محافظات البلاد، حضور يؤكد انه  ليس من السهل أن تندثر موروثاتنا وحضارتنا وإن تعرضت للنكسات .


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك