"عفاف" ضحية الألغام التي خسرت قدماً وعالماً

"عفاف" ضحية الألغام التي خسرت قدماً وعالماً عفاف ترقد في المستشفى بعد تضررها جراء انفجار لغم

قبل أكثر من عام خرجت عفاف محمد احمد مقبل، وابنة عمها لجلب الماء من الخزان المجاور لبيتهم، لم تتخيل أبداً انها ستسير للمرة الأخيرة بقدمها اليسرى. كان أمامها فرصة لتنقذ نفسها، لولا أنها أرادت إنقاذ ابنة عمها التي انفجر بها لغم زرعه الحوثيون.


لطالما رفض أهالي قرية تبة الصالحية في الشقب، إحدى عزل جبل صبر بمحافظة تعز، النزوح من بيوتهم. عدا أن الحوثيين زرعوا الألغام جوار البيوت وفي الحقول، لتنعدم الحياة هناك. وحين نزحت عفاف وابنة عمها "دليلة" كانتا محمولتين بعد أن جردتهما الألغام قدميهما.


وفي القرية السفلى التي نزحت اليها عفاف تحددت دروباَ آمنة، اذ تتخفى اجزاء القرية عن مرمى القناصين، وتتوارى الممرات الضيقة بين البيوت.

توقف قائد الدراجة النارية في الطريق الوعر، فقبل أمتار من انحدارها يتشكل حد بين الحياة والموت فرضته الحرب. هناك يلتصق سلاح أعلى الطابق الثاني لبيت، عند نقطة تتوقف فيها حركة السير على المواصلة، ويبدأ القناصة الحوثيون بالقتل.


ظهرت عفاف بخطواتها شبه العرجاء معتمدة على قدم اصطناعية؛ لعلها بتلك الصورة وجدت مواساة لقدرها التراجيدي. "لقد انتهت حياتي" قالت بإبتسامة حزينة وأثر الشظايا على وجهها كالنمش. غير أنها استدركت مشيرة للقدم الاصطناعية، فبعد احساس فظيع بالعجز، صار بمقدورها المشي والخروج.


تتشكل حياة عفاف من سلسلة متتابعة من المآسي؛ في عام 2015، سافر زوجها من اجل العمل خارج البلاد، ومنذ ذلك الوقت لم يسمعوا عنه شيئاً، "ربما مات" قالت. بعدها خسرت أباها، في 2016 قتله قناص حوثي ولم تمر ثلاثة أشهر ليصيب قناص عمها إصابة بالغة. ومنذ يونيو 2017 تعيش عفاف كواحدة من ضحايا الحرب.


استهدف الحوثيون السكان الأبرياء بوضعهم الألغام في الأماكن المرتبطة بحياتهم اليومية، عندما خرجت عفاف لم تفكر ان الخطر تحت قدميها. كانت وابنة عمها قلقتان من ظهور مسلحين، لثلاثة أيام حاصرتهم الاشتباكات في منازلهم دون أكل أو ماء، وما إن توقفت ذهبتا للتزود بالماء.


كان من الحيطة، أن تسبق إحداهما الأخرى. فجأة دوى صوت انفجار قوي، وشاهدت عفاف ابنة عمها محاطة بسحابة غبار داكنة.
يشكل غياب الوعي بخطورة الألغام أحد أسباب ارتفاع عدد الضحايا، وهو الأمر الذي جعل عفاف ضحية أخرى. سارعت لإنقاذ ابنة عمها، كما قالت، فوجدت نفسها تندفع عالياً من قوة الإنفجار، وترتطم بالأرض شبه محطمة.
حدث كل شيء سريعاً مثل ومضة، لكنها ستحمله معها بقية حياتها. وكان من الممكن انضمام ضحية ثالثة، لولا أنهما حذرتا قريبتهما بالتوقف؛ اخبرتاها ببساطة: "كفاية نحن".


تعتبر زراعة الألغام الأرضية من الجرائم الإنسانية طويلة الأمد، اذ تشكل تهديداً مباشراً لحياة الأبرياء وتتسبب بعاهات مستدامة. كما يمتد تهديدها أجيالاً إلى ما بعد الحرب. ومنذ بداية الحرب أودت الألغام، التي زرعها الحوثيون، بحياة عشرات من اليمنيين.
لم تكن عفاف وقريبتها الضحيتين الوحيدتين لانفجار الألغام، غير أن الجزء الأكثر قسوة، كما روت عفاف؛ عندما أصيبتا، وبعد الانفجارين تعالت أصوات المسلحين الحوثيين المتمركزين قرب القرية، بالضحك كما لو انهم مستمتعون بمأساتهما. "كانوا يضحكون علينا." أضافت بمرارة.


يقول الأهالي إنه تم نزع 18 لغماً في الشقب، ومازال هناك الكثير من الألغام تهدد حياة المواطنين.
بدا المشهد مروعاً؛ فتاتان لا علاقة لهما بالحرب على شفا الموت أو الحياة بعاهة مستدامة. أول ما فكرت به عفاف أنها ستموت؛ أصبحت كومة ألم وتدريجياً ستتعرف إلى ما فقدته؛ كانت نصفين مختلفين. إضافة إلى ساقها المقطوعة، ستعرف أن ثديها الأيمن نزعته شظية، وبعد أيام انتبهت إلى سقوط عدد من ضروس فكها الأيسر.


قال عبدالرزاق إنهم قاموا بتهريب المصابتين لتفادي أسلحة القناصة؛ استغرقوا أكثر من ساعة لنقلهما من مكان الحادثة إلى الطريق، حيث كانت سيارة تنتظر لإسعافهما إلى إحدى مستشفيات تعز، فيما يتطلب الوصول من هناك أقل من عشر دقائق في الظروف العادية.
ظلت عفاف محتفظة بوعيها حتى دخلت المستشفى لتنهار في غيبوبة تحتمل النجاة من الموت. لكنها ستثور عندما قرر الأطباء بتر ذراعها اليسرى المتفسخ لحمه. "اقتلوني ولا تقطعوا ذراعي" صرخت. بالنسبة لها الموت أفضل من العيش دون قدم وذراع. أنقذت ذراعها، لكن الاطباء يبترون الأجزاء بدم بارد، ربما لأنها تساوي مبلغاً من المال في تلك المستشفيات.


أصبحت الألغام الأرضية من الأسلحة المحرمة دولياً منذ معاهدة (أوتاوا) لحظر الألغام الأرضية، والمعاهدة التي لا تشمل الألغام المضادة للمركبات والدبابات أو الأجهزة المتفجرة عن بعد، دخلت حيز التنفيذ في مارس 1999.


ويستخدم الحوثيون طرقاً عشوائية، دون استخدام خرائط، في زراعة الألغام ما يجعل عملية إزالتها أكثر تعقيداً في المستقبل. 
"ما الذي فعلناه بهم؟" تساءلت عفاف، كان المسلحون الحوثيون يطلبون منهم مغادرة بيوتهم، وأضافت: إذا تركنا بيوتنا ماذا سنأكل؟ وفي الأخير أجبرتهم الحرب على النزوح.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك