صمام الأمان

في العام 1998 نزلت اتعسكر في الأمن المركزي في الحديدة، كان لي قريب يعمل هناك واستطاع أن يضم اسمي ضمن حصته في التجنيد الذي كان وقتها حلماً لكثيرين.

كان لكل ضابط حصة في التجنيد وكان بمقدوره أن يبيع هذه الحصة أو يعطيها مجاملة لقريب او حبيب.

كانت دفعتنا تتكون من مائة فرد تقريباً وكانت هذه دفعة بدل الفرار، وهم الأشخاص الذين يتم اعتبارهم فارين من الخدمة العسكرية فيتم تجنيد غيرهم بنفس الأرقام العسكرية.

على الرغم من أن عددنا كان مائة فرد لكن الحضور لم يتجاوز عددهم الخمسين، يزيد هذا العدد عند نزول لجنة من صنعاء لمطابقة الكشوفات.

مع مرور الوقت اكتشفت أن المجندين الجدد كان كل واحد منهم له هدف من انضمامه للأمن المركزي حينها، فالبعض وهم كثر كان غايتهم أن يتخلصوا من خدمة الدفاع الوطني والتي كانت إلزامية وقتها.

بينما البعض كان يطمح أن يتم قبوله في كلية الشرطة أو أن يكمل الدراسة الجامعية، ومن بعدها يدخل معهد عالي ويصبح ضابط شرطة أيضاً، بينما البعض كان له غرض أن يتعسكر مع الدولة ويكون له راتب شهري.. في العام التالي مباشرة وفي الإنتخابات الرئاسية ألغى الرئيس صالح خدمة الدفاع الوطني، فلم تعد إلزامية ولا اختيارية، لست ادري هل اسميها رشوة انتخابية أم مكافأة للجماهير أم تأسيس لمرحلة جديدة.

 لم يعترض أحد بل اعتبر الجميع أن عبئاً ثقيلاً أزيح عن كاهلهم، فلا أحد يرغب في أن يذهب أبناؤه إلى المعسكرات وقضاء عام كامل في مناطق بعيدة ونائية وظروف قاسية، لكن النتيجة كانت كارثية فقد تحول الجيش إلى قطاعات قبلية ومناطقية بامتياز، فقوام الجيش الآن يتم تجنيده بالكامل كهبات لمشائخ القبائل وللضباط وهكذا فقدنا صمام أمان لم نكن ندرك أهميته.

ما حصل في تونس ومصر والآن الجزائر من وحدة الجيش وتماسكه اتفقنا أو اختلفنا مع سياسة أي من هذه الجيوش إلا أن تماسك الجيش كان سببه الأول والأخير أنه وحدة واحدة يحظى باحترام الجميع، فلا أحد يجرؤ أن يهاجم الجيش بكلمة فالجميع خدم في هذا الجيش، والجميع له قريب يخدم الآن في هذا الجيش، وبالتالي يبقى هو الضامن الحقيقي لعدم الانزلاق للحروب الأهلية. حالنا في اليمن بعد إلغاء خدمة الدفاع الوطني مثل حال ليبيا التي ألغى فيها القذافي الجيش وأنشأ بدلاً عنه كتائب مناطقية تدين له بالولاء.

قد تكون للجيش أخطاء، وقد يقمع الحريات لكن مع الوقت تعود الحريات من أبواب ونوافذ مختلفة إلا أن ذلك يكون بثمن أقل من الذي ندفعه نحن الذين ابتهجنا يوماً أن ابناءنا سيبقون في أحظاننا ولن يذهبوا إلى الخدمة الإلزامية، الخدمة التي ستجعل صاحب قدس يلتقي بصاحب حجة وصاحب صعدة بصاحب عدن وصاحب الحديدة بصاحب المهرة سيلتقون تحت شجرة في مكان بعيد أو في ظل صخرة في جبل مرتفع وسيحكي كل منهم للآخر عن بلده وعن جمالها سيضحي كل منهم من أجل الآخر، وستذوب المناطقية المقيتة وسيكون للوطن جيش من كل أبنائه فيكون صمام أمان.

هذا ما يحصل في الجزائر والبقية عبارة عن تفاصيل لا قيمة لها. 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك