رحلة مع أفكار الوردي

حظيت بهدية قيمة مؤخرا هي جملة كتب حديثة الإصدار وقد انتهيت من قراءة كتاب "دراسة في سيوسيولوجيا الإسلام" للدكتور علي الوردي. وهو رسالته للماجستير التي أنجزها عام ١٩٤٨ في الولايات المتحدة الأمريكية وترجمت إلى العربية في العام ٢٠١٣ ونشرها دار الورّاق بعد أن ترجمها رافد الأسدي وراجعها ماجد شبّر.

كانت وجبة خفيفة إلى متوسطة وموضوعها حساس وجميل وقد عالج فيها الدكتور علي الوردي جملة مواضيع في ستة فصول وهي الخلاف السني الشيعي، قضية الخلاف، طبيعة الاسلام، الصراع داخل الاسلام وأصوله، صراع الظالم والمظلوم وعلي ومعضلة الاسلام.

وكان واضحا حين قال انه لا ينبري لدراسة سوسيولوجيا الإسلام بصفة عامة فهذا عمل يحتاج لإنجازه فريق كامل من الباحثين. لكنه تناول في رسالته /كتابه في حولي 200 صفحة جزيئات معينة اساسها رؤيته حول التاريخ الاجتماعي الاسلامي المتأرجح بين المثالية والواقعية وكيف ان الاسلام تحول من دين ذي طابع روحي الى حالة اجتماعية واقعية اي كيان او دولة.

وكنت قبل هذا قد انجزت قراءة كتابه "نظرية المعرفة عند ابن خلدون" وهو رسالته لنيل الدكتوراة في أمريكا عام ١٩٥٠ وقد ترجمه الدكتور انيس عبد الخالق وصدر عن دار النشر نفسها في العام ٢٠١٨.

والكتاب مقسم في أربعة أبواب؛ المثالية والواقعية من خمسة فصول، القوة والحق من خمسة فصول، الدين والعقلانية من أربعة فصول وأخيرا الاسلام والبداوة من خمسة فصول.

والحقيقة أن هذا الكتاب كان ادثم. وكانت ترجمته أسلس وأكثر تماسكا بل كان الدكتور الوردي - ومن أنا لتقييمه - قد بلغ نضجا معرفيا وقدرة تحليلة أكبر قياسا بكتابه السابق الذي كان يغض بالاستشهادات الكبيرة دون إعطاءها حقها في التحليل والتكييف مع الفكرة المدروسة بل وجدت أحيانا عدم اتساق في التنقل بين المواضيع وكثير من النقاط لم تشبع بالتحليل والتفكيك والمحاججة.

وربما قراءاتي للكتاب الاول رسالة الدكتوراة - ازيد من 400 صفحة - الذي يمثل جوهرة معرفية لقراءة ابن خلدون وفكره والسياق الذي نشأ فيه أفسدت علي الكتاب اللاحق فكان السقوط سريعا.

ونظرًا للفكرةٌ الجوهرية في الكتابين وهي الواقعية والمثالية والحضارة والبداوة في الاسلام كان من الأحرى أن أبدأ بكتاب رسالة الماجستير.

وفِي الكتابين يتعرف القارىء على قراءة اجتماعية للمسار التاريخي للحضارة الاسلامية خصوصا في عهدها الاول المؤسس سواء من ناحية العقيدة او الصراع والتفرع او البناء الاجتماعي والسياسي.

دراسة الدكتور علي الوردي لابن خلدون قيمة لانها تناولت ابن خلدون على اكثر من صعيد وفتشت في فكره الذي أسيء فهمه وحرف كلامه على غير معناه بسبب جهل باللغة والإمساك بجوهر فكر ابن خلدون أو جهل بالسياق او افتقار للأدوات المنهجية الاجتماعية لقراءة ابن خلدون ومعه المجتمع الاسلامي.

ومن المدهش حقا ان نجد تأكيد الوردي على ان ابن خلدون كتب بلغة لم تكن بالمعقدة قياساً بمن كتبوا في عهده. وأن ابن خلدون لم يكن يذم العرب أو البدو كما هو شائع بل العكس تماما. وأنه حين ينعتهم بالتوحش فهذه ليست مسبة إطلاقا.

ومن بين الذين قرأوا ابن خلدون من عرب ومستشرقين، يتضح أن الوردي انتهج نهجا توفيقيا لقراءة ابن خلدون ومعه المجتمع العربي الاسلامي وربما تأثراً بنهج ابن خلدون التوفيقي الذي أحبه جدا الوردي وامتدحه وأبرز جدته والابتكارية فيه.

هناك الكثير ليقال في هذين الكتابين لكني لفعل ذلك أتمنى أن أجد فرصة لقراءة أعمال أخرى للدكتور علي الوردي رحمة الله عليه والذي أثرى بها المكتبة العربية ومنها ما ترجم إلى لغات أخرى خصوصا دراسته للمجتمع العراقي وفق منهجيات سوسيولوجية صارمة ملتزمة تجدد نفسها وتعدل وتجرح كما تشير بعض الكتابات التي تفضل بها المقدمون في كتابيه.

* المقال خاص بموقع المصدر أؤنلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية