قاتل عميق

أحيانًا نحكم على عمق شخص من رد بسيط يقوله، وإن تلعثم به.

ردود الأوروبيين تحتوي على عمق، جملة يقولها مدرب كرة قدم تحمل أبعادًا فلسفية، وبهذا المبدأ قد تكتشف ثقافة القاتل وعمقه من خلال التقرير الذي نشره موقع Buzzfeed news الأمريكي قبل أيام.

بالنسبة ليمني يقرأ شهامة العربي القديم ونخوته من المجتمع الجاهلي إلى تقاليد البدو، سيكذِّب التقرير في البداية، هذا ما فعلته، لقد احتوى التقرير على معلومات مرعبة حول تعاقد الإمارات مع شركة أوروبية يديرها صهيوني للقيام باغتيالات في اليمن، يعترف إبراهيم جولان مدير الشركة بكل شيء عدا الأرقام، من عدد القتلى إلى الإكرامية التي يحصلون عليها على عملية التصفية الناجحة.

أحداث الاغتيالات لشخصيات يراهم طرف الاتفاق خصومًا، لا يخص حزب الإصلاح وحده، وإن اقتصرت بنود الاتفاق في هذه المرحلة على الإصلاحيين، الأخطر من ذلك أن أي شخص أو كيان يعترض على سياسة ما، أو تشك تلك الدولة بميوله، كأن لم يعجبها مشيته، هندامه، موقفه، يمكن إدراجه ضمن الاتفاق بين طرفين: مستأجر، وقاتل أجير يقوم بالمهمة دون تأنيب ضمير.

عمل مبتذل ينسف المكارم العربية القديمة، علاوة على المستجدات العربية الحديثة، خليجي في أمريكا يتعاقد مع صهيوني لقتل يمنيين، لنتفق أن العرب كلهم يرون أن إسرائيل كيان يحتل جزءًا من أرضهم، عدو أكيد، وأن اليمنيين يعيشون أسوأ مرحلة في تاريخهم الحديث، وضعًا مأساويًا تحت انهيار اقتصادي مريع وحرب ضارية، الدولة التي تعيش أسوأ مجاعة من بين البلدان العربية كلها في هذه اللحظات، كيف يأتي عدو العرب الأول لقتل أصل العرب الذي يعيش الجوع، وبتمويل عربي.

مازلت معلقًا بقشة أمل أن التقرير ولد من الأكاذيب..

لا لا.. حين تطلع على المعلومات يغلي الرأس، انتصرت للقومية وأخوة العرب وأنا أشكك، هؤلاء يريدون ضرب العلاقات العربية العربية، لكن الوقائع تعزز مصداقية التقرير والصمت أيضًا من الجهات المخولة بالرد، أما من يفكر بمنطق وعقلانية سيذهب لرؤية المليون الدولار والنصف، مبلغ كبير لقتل أشخاص يعيشون في بلد فقير اسمه اليمن، أمِن المعقول أننا صرنا مهمين لهذه الدرجة، ومخيفين لدول لها ثقلها في العالم وتعد مزارًا للأجانب؟ ثم إن الاستعانة بقتلة أجانب استهزاءًا بالقتلة المحليين رخيصي التكلفة، وإهانة كبيرة لهم، إنهم يقتلون بمجرد وعد بشيء تافه.

تفاعل الإعلام العالمي مع الخبر، حيث نشر تقرير حول الموضوع ذاته بصحيفة صهيونية، الصورة واضحة والمانشيت عريض..

الإصلاح صامت، وخلال الفترة الماضية كان يردد ـ بموقفه الرسمي ـ عمق علاقاته مع دول التحالف العربي ويشدد كيف امتزج الدم اليمني بدم أبناء التحالف في خندق واحد للدفاع عن قضية واحدة ضد أطماع إيران، بل وكان يلمز من يسيؤون للسعودية والإمارات تحديدًا، ويتبرأ منهم.

ما فوق الطاولة ليس كما تحتها.. العلاقات ملتبسة..

كانت طائرة خاصة قد أقلت أمين الإصلاح اليدومي ومساعده الآنسي من إسطنبول إلى الرياض لمقابلة ولي عهد الإمارات محمد بن زايد، غير أن الواضح أن كل خطابات الاسترضاء ذهبت سدى ولم تتبدد مخاوف الإماراتيين وتوجساتهم من تيارات الإسلام السياسي، لتستمر نظرتهم للإصلاح كخصم. رجال رسميون مثل رجل الشؤون الخارجية لأبو ظبي أنور قرقاش يغرد دائمًا..

وعلى كل، مهما بلغت درجة الخصومة، لا يوجد ما يجعلك تستعين بقتلة أجراء لتصفيتهم، عند اللجوء إلى الميدان السياسي في التنافس على السلطة بإمكانك الاستعانة بالجمهور والحكم لعرقلة الخصم والتشويش على الفوز.

ما زلت غير مقتنع أننا وصلنا إلى هذا الحد: الاغتيالات.. وبأياد صهيونية. على الرغم أن الأخبار والوقائع تسوق المتابع إلى ما هو أبعد، مقاطع التصفية المروعة لماصورة كتم الصوت على فوهة المسدس، عمليات الاغتيال الشنيع في وضح النهار وسط عدن، رئيس جمعية خيرية يشهد لها المحتاجون، صحفي ناشط في منطقته، أئمة مساجد خرجوا من منازلهم أو غادروا أبواب المساجد، القاتل يتبجح وهو يوثق العملية الشنيعة، وصل به الحد أن يصور أقدامه وهو يركل إحدى ضحاياه، ربما ليستلم الإكرامية المستحقة وكي لا يغالطوه بعدد الرؤوس..

إبراهيم جولان، رئيس الشركة التي نفذت الاغتيالات في اليمن، اعترف بكل شيء من باب التسويق، شهيته انفتحت لعمليات أكبر، قال بأن "الولايات المتحدة تحتاج إلى برنامج اغتيال مماثل"، جولان بحسب التقرير والصورة، له لحية كاملة "ويقرأ جيدًا وغالبًا ما يستشهد بالفلاسفة والروائيين، يقتبس من أندريه مالرو: ليس الإنسان ما يعتقده، بل ما يخفيه!".

اللهم اجعله كذب..

بس انظروا لاقتباس جولان، القاتل العميق.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية