الإصلاح.. كإبن للجمهورية ولنظامها التعددي

كل المخلوقات والكيانات وحتى الأفكار والمفاهيم، لا تكون مجردة بذاتها، أو في معزل عن بيئتها المحيطة، فكل شيء في هذا الوجود يتخذ شكله الخاص به من تفاعله في فضائه العام، متأثراً، أو مؤثراً فيه.

لا فرق بين الكائن الفرد، أو الكيانات العامة كالجماعات والأحزاب، فكل شيء هو ابن مجاله الذي يشغل حيزاً فيه.

فالإصلاح الحزب الذي يحتفل بذكرى تأسيسه الثامنة والعشرين هذا الشهر، والتي تزامنت مع قيام الجمهورية اليمنية والإنتقال للنظام السياسي الديمقراطي التعددي في العام تسعين من القرن الماضي، هو اليوم حاصل التفاعلات السياسية والمجتمعية في الأعوام الثمانية والعشرين الماضية من عمر دولة الوحدة.

فالجماعة الدينية المتحالفة مع القوى المجتمعية والتي كانت تفعل في مجال الحزب الواحد جهراً في الشمال، وسراً في الجنوب، هي غيرها الآن وقد صارت حزباً في النظام الديمقراطي التعددي لدولة الوحدة، فكما تخلق المجموعات السياسية نظامها السياسي، يخلق النظام السياسي جماعاته السياسية أيضاً، يشبهها، وتشبهه.

بمقارنة البدايات مع المآلات نكتشف هذا الأمر مع التجمع اليمني للاصلاح، عند التأسيس كان مسمى حزب يمثل إشكالاً كبيراً لدى النخب المؤسسة للحزب، والتي كانت لا تزال مثقلة بتجربتها قبل النظام الديمقراطي التعددي، لتختار بديلاً عنه مسمى تجمع هروباً من ذلك الإشكال، أما الآن فلم يعد مسمى حزب يمثل أي إشكال يذكر، و قد أصبح من المسلمات أن الحزب والحزبية عموماً العمود الفقري للنظام السياسي التعددي الذي اتخذته الجمهورية اليمنية.

أما الجدل المفتعل حول من يملك السلطة الله أم الشعب والذي أثارته بعض نخب الحزب أثناء التصويت على الدستور في العام 91، فقد أصبح من الماضي الذي يثير الضحك الآن، وقد استفاد الحزب نفسه من هذه المسألة بإعادة الخلاف حول ترفيع المرأة للأمانة العامة للحزب في المؤتمر العام ليفصل فيه بدلاً عن مقترح بعض مشائخ الدين من أعضاء الحزب الذين كانوا يريدون إنشاء هيئة شرعية لإقرار ما هو شرعي وغير شرعي من قرارات الحزب، فالبشر هم خلفاء الله في أرضه، في النظام الديمقراطي، وكذلك هم في التجمع اليمني للإصلاح دون وصاية من أحد، كما تقرر عملياً في المؤتمر العام الخامس للحزب.


فقدر التجمع اليمني للإصلاح أن تكون ولادته متزامنة مع ولادة الجمهورية اليمنية ونظامها السياسي الديمقراطي، مؤثراً ومتأثراً بهما، ومن قدره أيضاً أن تكون مشاكله الراهنة هي ذاتها المشاكل التي تعاني منها الجمهورية اليمنية ونظامها السياسي.

فقد كان انكسار التجمع اليمني للاصلاح لصالح الهجمة الماضوية للسلاليين، انكساراً للجمهورية اليمنية بكلها ولنظامها السياسي، فلا مشكلة خاصة للإصلاح مع الحوثي، إلا ما يمثله الحوثي من تهديد للنظام السياسي الديمقراطي للجمهورية اليمنية، ومن السخف والتدليس اعتبار الإشكال بينهما إشكالا بين جماعتين دينيتين تدعي كل منهما حقاً إلهياً في الحكم، فالحوثي كيان عنصري، أما الاصلاح ففضاء مفتوح لكل اليمنيين بلا عصبية أو عنصرية، وفيما يدعي الحوثي حقاً سلالياً في الحكم، لا يريد الإصلاح إلا العودة للنظام السياسي الديمقراطي التعددي للجمهورية اليمنية.

يحسب للاصلاح أنه كان واضحاً في هذه المسألة فيما يخص موقفه من الحوثي، فيما تواطأت مختلف القوى السياسية مع الحوثي نكاية به، أو استجراراً لصراعات ماضوية معه، فيما كان هو قد تسامى على صراعات الماضي، وكان أكثر إخلاصا للنظام السياسي التعددي، وللنضال السياسي لاجل إصلاحه.

قدر التجمع اليمني للإصلاح أن تكون ولادته مقرونة بولادة الجمهورية اليمنية ونظامها السياسي التعددي، وإنه لشرف له أن يكتسب سماته الرئيسية منهما، حتى صار الحديث عن مستقبله الآن مقروناً بالحديث عن مستقبل الدولة والنظام اللذين تخلق فيهما.

فالاصلاح هو ابن الجمهورية اليمنية والنظام السياسي الديمقراطي، ذلك هو فخره، وتلك هي مشكلته الوحيدة مع القوى التي تجد نفسها على النقيض من ذلك.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك