النداء إلى السلام

السلام كلمة جذابة يتجمّل بها الجميع. ومجرد طرحها يبعث صوراً ناعمة وحميمية ومطمئنة لكل من له حس سليم. لكن الملحوظ أنه من فترة لأخرى تستيقظ نداءات السلام، ألطف ما قد يقال عنها إنها على نحو سطحي، تأثراً بالنتيجة المؤلمة لهذه الحرب.

النتيجة أي الرقم. لأن المعاناة تحوّلت إلى رقم لتُدرَك فهل كان الجميع في غفلة عن معاني الحرب وويلاتها؟ والمؤسف أن الرقم حجب السبب ووجه الأنظار إلى النتيجة. وما تزال الأرقام كنتيجة نهائية في حالة كبيرة من الشبهة والقصور. بالتالي فإن الوجهة التي تقود إليها الأرقام عن هذه الحرب هي وجهة يشوبها القصور والشبهة أيضا.

يجب في النداء إلى السلام أن يأخذ بعين الاعتبار أرضية السلام المنشود وفواعله. وقبل هذا إدراك حقيقة العنف واللاعنف في طبيعة الإنسان وفي الحصيلة التاريخية لتجاربه وإسقاط هذه المرتكزات على الواقع اليمني وعلى التجربة السياسية التاريخية لأنها أفرزت موروثاً عتيقاً آثماً.

هل الوعظ والتمني كفيلان بعودة السلام وتوقف الحرب؟ الإجابة على هذا السؤال تأتي من فحص وتقليب أسباب الحرب أولاً باعتبارها المؤثرات التي أنتجت الحرب وقوفاً على قاعدة بـ "زوال المؤثر تزول النتيجة".

جميعنا يرغب أن يكون داعية سلام ونابذ حرب. لطالما لم نختر الحرب كوسيلة لإمضاء آرائنا ومعتقداتنا وتوجهاتنا ورؤيتنا للحياة السياسية في اليمن على الأقل أو رؤيتنا للحياة والكون. لكن ما الحيلة عندما تفرض عليك الحرب فرضاً وتكون ضحية لآلة عسف وجور. أليس في بعض الموت حياة.

يبدو الحديث عن السلام في خضم مضمار تنافس لتسجيل نقاط أخلاقية في الوقت الضائع. فالدعوة إلى السلام موقف أخلاقي قبل أن يكون براجماتياً. والذي ينشد السلام اليوم يفترض به أنه كان ينشده بالأمس وسينشده غداً. وموقفه الأخلاقي الرافض للحرب يستوجب منه إدانتها لحظة نشأتها وتجريم أسبابها وإدانة مدشنيها. الأخلاق تتطلب صرامة وموقفا مبدئياً. وإحلال السلام يعني إقامة العدل والإنصاف. وهذا يتطلب تحديد الطرف السبب وإدانة أفعاله ومطالبته بالتوقف الفوري عن عدوانه وتجريفه للسلم. إن السلام كلمة حق تستوجب قول الحق. وأن نقول للمعتدي: أنت معتدٍ.

يحل السلام عندما تتيح المعطيات على الميدان قدراً أكبر من إخلاص النوايا وعقد التوافق وعند استنزاف الجهود المستخدمة في الحرب لتحقيق هدف سياسي او غير سياسي لن يتحقق. إن عقلنة الحرب من حيث الأهداف والغايات والوسائل لا يكفي لفهم الحرب في اليمن لأن فيها بعداً معنوياً جوهرياً وهو العقيدة. وهذه تتجاوز العقلنة. من يحارب لوعود دينية او غايات دينية لن يتعامل مع الحرب بمنطق الربح والخسارة بل سيمضي في عناده حتى الهلاك. فما مكانة النداء المتوسل للسلام في هذه الحالة؟

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية