"عدوان ".. المهنية والإنحياز

يعمل في وكالات ومكاتب الأمم المتحدة مترجمون أكفاء. وهم صفوة من صفوة ويعملون في دوائر عمل هي في الحقيقة معمل ترجمي لا مثيل له إلا الإتحاد الأوروبي.

وقد اعتادوا على الإشتغال على نصوص متعددة وكثيرة وبشكل متواصل، وتصدر عن الأمم المتحدة قوائم لتوحيد الاصطلاحات وما استجد منها ومقابلاتها في اللغات المعتمدة. أي إلى جانب الترجمة هناك إنجازات معجمية.

وقبل العمل خضعوا لبرامج تأهيل في الترجمة شاقة ومتكررة يترجمون فيها نصوصاً من حقول معرفية متنوعة وعديدة يأتلفون فيها مع الإصطلاحات والفوارق التخصيصية ويقتربون من المهنة والدقيق والمناسب فيها. وهم بالطبع على اطلاع معرفي وثقافة كبيرة.

والذين ترجموا تقرير المفوض السامي بخصوص اليمن يتابعون الشأن اليمني ويطلعون على التعابير المستخدمة في توصيف أو تحليل ما يحدث تتيح لهم التعبير القريب مهنياً في حال الترجمة دون الوقوع في الخيارات والإنهيارات القيمية.

وبما أننا في حرب فالحديث معظمه يتمحور حول مفردات عسكرية. وأكثر ما يرد هو من قبيل "شن هجوماً، صد هجوماً، نفذ عملية، استعاد، اقتحم، سقوط ضحايا، قتلى، جرحى... وهذه كلمات من الحقل العسكري توصيفية ولا تحمل حكماً قيمياً.

لكن استخدام مفردة "عدوان" في ترجمة تقرير حقوقي أقرب إلى مهنة القانون هو سقوط في الإنحياز العاطفي على الحصافة المهنية. المترجم مطلع على الشأن اليمني وقد وقع اختياره إلى المفردة التي يتداولها الحوثيون للحديث عن العمليات العسكرية في الحديدة وهي كلمة عدوان وتحمل حكماً قيمياً فيه إدانة مسبقة. الترجمة العربية هذه هي مقابل كلمة offensive بالإنجليزي ومعناها الأول هو هجوم.

لنفرض أن المترجمين منفصلون عن المناخ العام داخل المفوضية وما يختلج في النفوس من مشاعر تجاه حدث ما أو تعاطف مع قضية ما. إلا أن هذا الخطأ ضاعف من اللبس والأبعاد القيمية التي في التقرير وجعلها مدخلاً واسعاً لقراءة التحيّز المهني في هذا التقرير الذي لا تنقصه العيوب المهنية ولا المخرجات السياسية لتؤخذ عليه مآخذ عديدة ويخذل الضحايا والمعذبين في عدم شموليته للأحداث وتغطيته للإنتهاكات قياساً بما لديه من إمكانات موارد.

وطبيعة التقرير تلقي الضوء على جدوى لجان التحقيق الدولية التي تتشكل لكنها في الحقيقة لا تستطيع النفاذ إلى أماكن الصراع وتضل لجان مؤقتة فتترجح كفة اللجان الوطنية إذا صدقت النوايا بشأنها ومنحت الإرادة السياسية الكافية ومن ثم التاهيل والتمكين. تكون لبنة أولى نحو عدالة انتقالية تحقق الإنصاف بعيداً عن الإنتهازيات في السياسة الدولية.

* المقال خاص بموقع المصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية