عالم بلا مُثل.. عالم تافه

ظن كثير من الناس أن العالم قد يكون مثالياً بانهيار المعسكر الاشتراكي، وانتهاء حالة الاستقطاب الحادة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

إلا أنه وبحسبة بسيطة للثلاثة العقود الاخيرة - منذ العام تسعين لانهيار الاتحاد السوفيتي- يبدو أن العالم قد خسر كثيرا ليس على مستوى تراجع القيم الاشتراكية فقط، وانما لتراجع القيم الليبرالية أيضا.

على الاقل كان العالم يتصارع وينقسم تحت عناوين كبيرة عن الحريات والحقوق، والاشتراكية، و الديمقراطية، والليبرالية، أما الآن فهو يبدو شعبويا وضحلا أكثر من اللازم.

كان الاشتراكيون السوفيت يدعمون دول العالم للتحرر الوطني ضد الاستعمار، وضد الانظمة الرجعية، وينادون بحقوق العمال أمام التوحش الراسمالي، وفي المقابل تدعم الدول الغربية الحقوق الليبرالية، والديمقراطية، وحقوق الانسان..

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم يعد للقيم الاشتراكية من دولة أممية قوية تدعمها، وفي المقابل تضاءلت اهتمامات الحكومات الديمقراطية في الغرب لقضايا هامشية تتمحور معظمها حول الارهاب، وتوفير الوظائف، والموقف من المهاجرين.

نَظّر كثير من المفكرين الغربيين لعالم مثالي بلا مثل الايدلوجيات وصراعاتها، إلا أن التفاهة كانت هي البديل، وقد أفرزت الديمقراطيات الليبرالية الغربية التي كان ينظر لها كنهاية للتاريخ -حسب المفكر الامريكي من أصل ياباني فوكوياما- رؤساء شعبويون وتافهون كترامب، أو رؤساء بلا خيال وبلا اهتمامات أممية قيمية كالزعماء الاروبيين الان.

كدول عربية كسبنا من حقبة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي استقلال العديد من الدول العربية، وكثير من الثورات ضد الانظمة الرجعية بدعم من المعسكر الشرقي. صحيح أن معظمها انتهى لحكومات عسكرية وعائلية استبدادية، لكن ما الذي قد كسبناه بخسارة المعسكر الشرقي، وتفرد الغرب ممثل الليبراليات والديمقراطيات بالعالم؟!.فقد كسبنا الكثير من الحروب الطائفية والمذهبية، بالاضافة الى استمرار الغرب في دعم الانظمة المستبدة، والتآمر على ثورات الربيع العربي بدعم الثورات المضادة.

في ثورتي سبتمبر واكتوبر ضد الإمامة والاستعمار كانت القيم الكبرى حاضرة لأجل الحرية والمساواة، وضد السلالية والطبقية، وكانت الوحدة هدفا مشتركا للثوار في الشمال والجنوب على السواء، وكنا نجد في العالم، وفي الاشقاء العرب من يتفهم قضيتنا، ويشاركنا ذات القيم. كان هناك الاتحاد السوفيتي وكانت هناك مصر التي تدخلت بجيشها لدعم الجمهورية الفتية في الشمال، والتحرير في الجنوب.

أما الان، ونحن نواجه الرجعة الثانية للامامة، وهي أكثر خطرا بتحالفها مع النظام الطائفي في ايران، ما الذي قد حصلنا عليه؟!. شرعية ليست بحجم تحديات اللحظة، ومقاتلون متعددون في صفوفها لا يعرف أكثرهم لأجل أي قيم جمهورية وديمقراطية يقاتل، بل ويقف بعضهم ضد تلك القيم، وتحالف عربي آخر اهتماماته القيم الجمهورية والديمقراطية، وخبراء أمميون على رغم قرارات مجلس الامن الداعمة للشرعية والرافضة للانقلاب يصنفون الرجعي والسلالي عبدالملك الحوثي بأنه قائد ثورة. إن لم تكن هذه هي التفاهة فما هي إذا؟!

في زمن ما بعد الاشتراكية، وما بعد الديمقراطية الليبرالية في حقبتها الترامبية، علينا ألا نتوقع مناصرون أمميون لقضايانا الكبرى لأجل الحرية والمساواة والديمقراطية أمام هجمة الرجعية والسلالية والعنصرية.

إنها قضيتنا، وعلينا ألا نتوقع الكثير من العالم، فهو مسيطر عليه من قبل نظام التفاهة الآن، ولكي ننتصر على الحوثي نحتاج إلى مواجهة التفاهة في صفنا الجمهوري، فالقيم الكبرى لا تنتصر بالتفاهة على الاطلاق.

* المقال خاص بموقع المصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية