مقتل بائع الخضرة

كان في السوق قبل العيد بيوم، بنشاطه الدؤوب يصرف بضاعته بسرعة لطابور طويل من الزبائن، يتوسط بسطته المرتبة بتوزيع أنيق وجذاب اكتسبه من مداومته منذ كان طفلًا، رأسه مكسو بشعر طويل يعصبه بكشيدة، يتحرك رأسه يمنة ويسرة فيختفي التفاح ويبرز الكمثرى.

كان في السوق قبل العيد بيوم، لكنه ومن بعد العيد بيومين لن يعود أبدًا إلى السوق.

تحكي حياته كيف تؤخذ الحياة غلاباً، كيف يوفي المرء لعمله مهما كانت الظروف، كيف يستمر في إتقانه ودقته دون كلل، وتحكي نهايته كيف نعيش في دوامة العبث..

شاب مفتول العضلات، كان من البساطين الذين لم يستسلموا أبدًا لعبث البلدية. تقوم البلدية والمرور وغيرها من أجهزة الحكومة بحملات دهم في الشوارع، تقلب العربيات وتدفع جنبات البسطات لتدحرج البصل والطماطم والبطاط، التفاح والبرتقال والكمثرى في الإسفلت، يختبئ الباعة وقلوبهم على بضاعتهم، وحين تمشي الأطقم يعودون لإصلاح بسطاتهم من جديد، هكذا كان الوضع منذ عهد عبدالله صالح، ونحن قد عرفنا الشاب منذ ذلك العهد، إنه من الذين ترعرعوا واشتد عودهم بين ربطات الخس والبقدونس، كان يمتلك بسطة داخل عصيفرة قبل الحرب، وحين جاءت الحرب كانت عصيفرة مكانًا تحط الرصاص فيه.

لا يجازف البساطون بالبقاء بين الرصاص، إنهم يتبادلون أحجام الميزان كثيرًا، المجازفة بالنسبة لبساط معناها أن تروض عائلتك على الفقد، والفقد بالنسبة لعائلة بساط معناها المجاعة حتى ينشأ بسّاط جديد.

تنقل بين الأسواق الريفية، واختار له مكانًا في السوق القريب منا، لقد تطورت أسواق الريف بسبب الحرب وتحولت أسواق المدينة إلى أطلال، كانت البسطة تمتد وتطول، بدأ يجلب بضاعته في سيارة مع زملائه البساطين، ثم بدأ يجلبها على سيارته، ثم على متن "دينا" طويلة وسيارة، خضرته طرية وسلال الرمان معروضة على الأرض حيث يقف الزبائن، على الرغم من أنه بائع خضرة إلا أنه نموذج للمثالية والإتقان، المثالية والإتقان ليس لهما أي معنى بالنسبة لبائع خضرة، هو فقط يرص بضاعته بما يريح العين ويجذب الزبائن الداخلين لسوق القات والخارجين منه، صار لديه عمال، ألم أقل لكم أن تفاصيل حياته نضال غير أن خاتمتها تختزل العبث الذي نعيشه دون انتباه، تداعيات الحرب التي سنعاني من ويلاتها بعد الحرب، التساهل مع الأسلحة وانتشارها كزينة رجولية على الأكتاف.

كان في السوق قبل العيد بيوم، تزاحم الزبائن على الليمون وقتها، أكمل بيع معظم الأشياء التي لا تستحمل الصمود لثلاثة أيام إجازة كان يعزم قضاءها مع العائلة.

ثاني العيد ذهب مع طفلته ليغتسل في السائلة، فتح أمان بندقيته ليعلمها الرماية، لم تدخل المدرسة بعد والأطفال في بلادنا الذين لم يصلوا إلى الثالث الابتدائي بعد، لا يعرفون معنى أن يكون أمان البندقية مفتوحًا، ترك بائع الخضرة البندقية ونزل ليغتسل، كانت الطفلة ترى البندقية لعبة استهوتها فظلت تتحسسها بينما والدها يغمض عينيه مستمتعًا بالماء الذي يتخلل شعره الطويل الذي تحرر من الكشيدة ليسترخي في الإجازة القصيرة جدًا، لكن بائع الخضرة سيسترخي بكل أعضائه وإلى الأبد.

ضغطت أصبع الطفلة على الزناد، وقعت الرصاصة في جبهة والدها بائع الخضرة.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك