الشراشف الجائعة في صنعاء

تاريخ المجاعة في صنعاء ارتبط بتاريخ الإمامة عندما كان الأجداد يروون لنا سنوات حكم الإمام يحيى وتلك الايام التي عرفت فيها اليمن مجاعة شديدة تركزت أكثر في صنعاء وضواحيها وفي التهايم.

غير أن صورة الشراشف الجائعة في صنعاء فتحت في ذاكرتي نوافذ كثيرة من حديث الذكريات في عصر جمعة الكرامة التي لم يذق آلاف الشباب فيها الغداء، وعندما هدأت أصوات الرصاص وتناقلت وسائل الإعلام صور المجزرة التي تمت بحق شباب عزل هي ذات المجزرة التي قال عنها أحمد زيدان أنه لم يرَ مثل هذه المجزرة في حياته..

لست هنا بصدد الحديث عن جمعة الكرامة بقدر ما عادت بي الذاكرة إلى صورة النساء المشرشفات نساء صنعاء ذاتها وهن يحملن الخبز والكعك والطعام إلى ساحة الثورة نساء مغمورات لا يبدو أن لهن نشاط سياسي ملحوظ.. رنين جملة امرأة أربعينية وهي تمد لنا الخبز قائلة "جبت لكم من غداء عيالي .. غدوكم بالرصاص الله يغديهم بما يستحقوه" اتذكر عيونها والكحل والذي امتزج بدموعها تحت " مقرمة" أصلية أبو خط أحمر، هذه الجملة استيقظت في ذاكرتي وأنا أشاهد صورة الشراشف الجائعة في صنعاء هذه الطوابير الطويلة التي تقف على أبواب الذوات في مدينة أصبحت محشورة ومخنوقة من اللحظة التي وصلت فيها عربة الديناميت الحوثية أطرافها ودافع عن شرفها الجمهوري عدد محدود من الضباط والجنود وصنعاء لا تتنكر لأسماء من بينها صادق مكرم ويونس بدير.

المدينة المزحومة بالسكان تكاد تختفي فيها الطبقة المتوسطة وهي المدينة التي شهدت الفجوات الهائلة في بنية النظام الإقتصادي والتعليمي، وتبدو خارطة أحياء المدينة أكثر تجسيداً لخيانة المشروع الاقتصادي الجمهوري القائم أساساً على تحقيق قدر معقول من المساواة، مساواة قانونية لا تكون بديلاً للمساواة الاقتصادية والاجتماعية ولكنها مقدمة لها وبين الطبقة الشعبية في حي السنينة والطبقة السائدة في حدة تتضح الفجوات الهائلة.

في الفترة الأخيرة تشهد صنعاء استهدافاً ممنهجاً لما تبقى من وئام اجتماعي وباتت الفتيات فيها أكثر مكابدة، كانت تلك المكابدة معلنة كما يحصل من اختلاس لحقائب الفتيات عبر الدراجات النارية أو تلك المكابدات غير المعلنة التي تعيش محاصرة خلف الجدران الأربعة وتفاصيل يدركها المتابعون لتحولات المجتمع اليمني في مدينة صنعاء منذ الانقلاب والاجتياح.

لا أرقام ولا إحصائيات حول ما تعانيه الشراشف الجائعة في صنعاء، إلا أن الطوابير في الأيام الأخيرة من شهر رمضان تزيح الستار عن مأساة غير معلنة في مدينة صامتة وحزينة كما لو أنها حمامة فقدت ريشها في عمارة ياجور وباتت حبيسة.

احتفظ بقصص تصلني على الماسنجر بعضها أنا متأكد من صحتها وبعض لست متأكد وأحتفظ أيضاً بما يشيب له الرأس داخل المدينة التي تتعرض لانتقامات متتالية في معالمها الحضارية من قبل منظومة قريش بشكل عام والسلالة الإمامية بشكل خاص.

لفت انتباهي تصوير الشهيد الزبيري في رواية واق الواق وهو يقدم محاججة تاريخية تدين أوامر عثمان ابن عفان بتهديم قصر غمدان التاريخي في صنعاء، وجاء في الرواية على لسان الخليفة أن العامل في صنعاء هو من أمر بتهديم قصر غمدان.

الشراشف الجائعة في صنعاء التي تقف طوابير طويلة ليست سوى فصل حزين من فصول المدينة التي تكابد ويلات الحكم الامامي والحكم الجهوي العائلي والتزاوج بين السلطة والثروة من اللحظة الخطيرة في التاريخ اليمني الحديث التي اعتلت فيها قناصة صالح مباني أهالي صنعاء، وتم إطلاق النار على رؤوس الشباب وصدورهم وخرج صالح في مؤتمر صحفي قال إن أهل الحي هم من قتل الشباب في ساحة التغيير، حينها حضر صوت المثقف في صنعاء في مقال اتذكره في موقع مأرب برس كان للروائية اليمنية د. نادية الكوكباني وحمل عنوان "أبناء صنعاء ليسوا قتلة ياعلي عبد الله صالح ".

هذه الصورة أعادت إلى ذاكرتي تلك الأيام التي كنا فيها يمنيين فقط في صنعاء قبل أن نشعر لأول مرة منذ وعينا ذاتنا اليمنية الجامعة أننا غرباء في صنعاء التي كانت لنا وكنا لها حينما كنا نمشط الشوارع بين شارع هائل والمكتبة المركزية بجامعة صنعاء، ونقف امام أكشاك الصحف نتابع ما يدور حول الشأن العام حين كانت صنعاء منصة الشأن السياسي الحديث من اللحظة التي أصبحت فيها عاصمة اليمن الموحد قبل أن تصبح رهينة لعبده الحوثي وحسن زيد وأوهام طيرمانات الجراف.

والتاريخ يعيد نفسه في اليمن على هيئة مأساة عبارة "من عاش فهو عتيق ومن مات فهو شهيد" والتي كانت رد الامام حينما طلب منه فتح مخازن الحبوب ايام المجاعة اوائل الاربعينات.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك