اليمني كصورة للذكرى

 تتزايد الصور يوميًا، تتدفق من مخازن الذكريات لتوقد الوجع. كلما تقوض أمن اليمني قليلًا تحول إلى ذكرى حزينة في صورة.

في هذا الأسبوع برزت صورتان، صورة للخطيب والكاتب عمر دوكم وأخرى للسياسي محمد قحطان. لن يقرأ دوكم هذه الأسطر، لن يشيد كعادته، ولن يضع لها أي مشاركة، كنت قد أملت على قيامه من بين الجراح، لكنه مات متأثرًا بها، سيرتاح القتلة الذين اغتالوه، سيرتاحون وقد ضمنوا تقييد الجريمة ضد مجهول، سيتزعزعون عندما يرون الجماهير الغفيرة وهي تشيع عمر، الجمهور غير المتوقع الذي ذكرنا بجنائز الكبار الطيبين. بالأول الذي عاش المحنة على أيدي المتحكمين بالدولة لكنه انتصر بمن خلفه حتى وهو ميتًا: "بيننا وبينهم الجنائز".

في وضعنا قوة الدولة واهنة والقاتل ممولًا. ياللوجع. المشيعون يرفعون الصورة، يلصقونها على أبواب السيارات، مرايا الدراجات النارية، جدران الشوارع، سيتفق أبناء تعز من كل الأحزاب، وعلى اختلاف توجهاتهم، واختلافهم، سيتغلبون على النكايات، وازدحم العالم الافتراضي بصور عمر دوكم.

نعم، لنفعل.. لو لم نقف على دمه لساح على شوارع المدينة دمنا. عمر المتعايش مع الجميع. القارئ والكاتب.. الثائر النحيل، صورته الشخصية في صفحته محوطة بالعلم الجمهوري وبشعار ثورة الشباب، فبراير 2011.

كان دوكم تنويريًا، يثير جدلًا كبيرًا بالنسبة للوجلين من تفتح العقل واستنباطاته، ربما هذا ما جعل الآخرين من غير حزب الإصلاح يطلقون عليه "الإصلاحي الجديد" أو "الإصلاحي المتمرد". الجديد المتمرد لم يترك منبره، بل استخدمه ليضيء للجمهور واقعهم، هل أتتكم وقائع خطبته الأخيرة؟.

لقد صعد إلى المنبر وتحدث عن النهب الذي يحدث لأوقاف الدولة وأراضيها، تحدث كيف كان الإنسان الأول يرفق بالحيوان، كيف كان يذهب لوضع أرضه وقفاً كمرعى للحمير "العرجْ". لكنهم لم يتركوا عمر. مات متأثرًا بجراحه، حولوه إلى صورة موجعة، وكما قال درويش: «الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء».

الموتى يصيرون صورًا، صورًا حال موتهم، وصور عند التأبين في الاربعينيات، ثم يتضاءل الحضور ليتحول إلى مرة في العام، إلى الذكرى الأولى.. إلخ.

إحياء ذكريات الأحبة لم تعد مختزلة بالموتى، في وضعنا الأحياء يصيرون صورًا، السياسي المعروف محمد قحطان حيّاً، صورته الآن أمامي، على الجانب الأيسر من رأسه الأبيض رقم 3 مصمم بالخط العريض: الذكرى الثالثة لاختطافه.

مليشيا الحوثي والمخلوع اختطفت قحطان، انفصلت الأفاعي عن الغرام، قتلوا علي صالح، ربما أوصاهم "صاحب الثلاجة" بالاحتفاظ بقحطان، أحد الشخصيات التي هندست أكبر كيان سياسي للتعايش في البلد بمعية الشهيد جار الله عمر. ألوان العلم الجمهوري موجودة في تصميم صورة الذكرى.

قحطان قياديًا في حزب الإصلاح، لم يوصف من قبل بالإصلاحي المتمرد أو الإصلاحي الجديد. الإصلاح لا يتحول إلى صورة وحده. لنفعل.. لنطالب بإطلاقه، بإطلاق الصبيحي ورجب، بإطلاق أكثر من عشرة آلاف يمني تعتقلهم المليشيا، لو لم نفعل لصرنا جميعًا وصارت البلاد خلف القبضان.

ليس دوكم وقحطان من نراهم صورًا، اغتيال قيادي اشتراكي في ذمار، ارتقاء شخصيات عسكرية في الجبهات، اغتيالات لرجال أمن، تعز مثل عدن وصنعاء مثل حضرموت، تتوالد الصور يوميًا، وستظل تتوالد إذا لم توجد دولة توقف المجهولين الذين يقودون البلاد إلى أصابع المصممين.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك