لا صور للقتلى الجدد

هذا الأسبوع انحشرت ورقة واحدة بصور خمسة قتلى حوثيين وورقة أخرى لاصقة برجل وولديه.

وكانت الجماعة من قبل قد دأبت على نشر قتيل واحد على ورق مصقول ولماع، وبمساحةِ فراغ فني في الأطراف للحفاظ على كادر الصورة المقصوصة كاملًا.

علق أحد الأصدقاء: إما أن قتلى جماعة الحوثيين كثروا، أو أن الأوراق نفدت من المطبعة. وكلا الخيارين يؤديان إلى نتيجة واحدة: كان الشهر الأخير من 2017 أسوأ الشهور التي مرت على الجماعة منذ تأسيسها.

أكثر من مائة شخص حاولوا التسلل إلى الخوخة على متن دراجات النارية، فشلوا، قتل منهم الكثير وأُسر الباقون. قتلى في كمائن متعددة أثناء محاولات اقتحام قرية شمال تعز. قتلى وأسرى بالمئات في بيحان شبوة.

التحالف على أخطائه يقتل الكثير من الحوثيين في الحدود، الحديدة، عبس، تقهقر في الجوف، وتقدم لجيش الشرعية في نهم. المكان الوحيد الذي تقدموا فيه كان في منطقة السبعين بصنعاء وعلى حساب حليفهم السابق علي صالح.

لم تتوقف الجماعة عن الزج بالكثير من أنصارها في المعارك، لا أحد يفهم كيف يفكر القتلى الذين يحملون قضية خاسرة، يذهبون إلى مناطق غير مناطقهم يقتلون أهلها ويدمرون منازلهم ثم يعودون قتلى أو أشلاء، ليس من أجل الحرية، ولا دفاعًا عن الوطنية وإنما ليكون لهم سيدًا يتبركون به، مع أنهم لا يعرفون مكان معيشته ولا شكل حياته. تبدو الفكرة جنونية بحق. تكاد الأوراق تنفد في المطابع، ولا يبدو أن الحوثي سيهتف بأصحابه: «لا صور للقتلى الجدد».

هذه الحرب خرجت عن سياق أطروحة أحد أبرز المفكرين العسكريين، كارل كلاوزوفيتز: «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى».

اسم كلاوزوفيتز يبدو محترمًا، ومن صفته يبدو أنه بذل جهدًا كبيرًا ليصل إلى تعريف الحرب من منظور عسكري بحت، كانت المقولة قد إلتصقت في ذهني قبل سنتين تقريبًا، وأثناء البحث عنها للتأكد من صاحبها، وجدت أن عالم النفس ألفرد ألر، طبيب العقل الذي خالف فرويد، قد نفاها وأضاف إليها شطرًا، فقال: «الحرب ليست استمرار للسياسة بوسائل أخرى، ولكنها جريمة شاملة تقترف بحق المجتمع البشري».

يظهر الإنسان بشكل جلي عند ألفرد ألر، وهي إدانة لكل حرب ستقوم، وصل إليها عن طريق العقل إضافة إلى دراساته النفسية لتحليل الطغاة: من يشعل فتيل الحرب لا شك أنه مجرم.

وتتجلى جلافة المنطق العسكري عند كلاوزوفيتز.

وكل واحد عنده حق فيما يقول ويرى، كلاهما نظر للحرب من زاوية مختلفة. ولا علاقة للزوايا هنا بأسرة البخيتي كما قال "علي" ناشط الأسرة الأشهر عقب مقتل صالح، بأنهم ـ أي الأسرة ـ ستدون تاريخ الحقبة كل من موقعه بصورة مختلفة، فهو "علي" كان مع صالح ويدين الحوثيين مع أنه كان ناطقًا باسمهم من قبل، وشقيقه محمد مع الحوثيين وهو لسان حالهم الآن، ووالدهم الكريم كان ضمن الوساطات الأخيرة لغروب صالح.

أن يمتد تأثير كلاوزفيتز إلى الحرب التي نعيشها، لن يرضاه الرجل نفسه، سيختل رأس كارل ويتخلى عن أطروحاته بمجرد أن يرى أبو علي الحاكم متسيدًا المشهد اليمني، إذ ما هو الامتداد السياسي، أو الطريق الذي مشى به السجين السابق، فضلًا عن المؤهل العسكري الذي جعل منه وزيرًا للدفاع في حكومة المليشيا.

سيموت قهراً وهو يرى امتداد الجحيم، وكيف يمتد الأطفال المجندين على الورق المصقول بوصفهم أبطال المعارك.

المقال خاص بـ«المصدر أونلاين»



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك