الحمار المحنى!

قبل أن تضحك عن الكتابة حول الحمار، يجب أن تأخذ في الحسبان أن الشاعر الأسباني خوان رامون خمينث، لديه كتاب إسمه: أنا وحماري. 


اسم حماره بلاتيرو، يدعوه للتأمل، يتأمل في الحرب، يتأمل الأطفال الفقراء الذين يحلمون بأنهم أمراء:
«ـ أبي عنده ساعة من الفضة
ـ وأبي عنده حصان
ـ وأبي عنده بندقية صيد.
ساعة توقظ الفجر، وبندقية لا تقتل الجوع، وحصان يحمل إلى البؤس.»


يتأمل المدرسة ويلقي على بلاتيرو نصيحة: لو كنت ذهبت إلى المدرسة..
قبل أن تضحك، تذكر أن خوان رامون فاز بجائزة نوبل للآداب 1956. ما يؤكد أن الكتابة عن الحمير، بتعبير أبناء البلاد: مش بسيط.


الآن سأحكي القصة الحقيقة والشهيرة التي دارت في منطقتنا: 
الأرض جديبة غبراء، والآبار الارتوازية خاربة، وعليه فإن الحمار ضروري جدًا.
وسط الظروف العصيبة، ضاعت الحمار. ليست حمارنا التي ضاعت، وإنما حمار رجل من القرية المجاورة، ضاعت يوم الاثنين لتتعذب الأسرة حتى السبت من الأسبوع التالي في جلب الماء، فاضطر الرجل لتدبير قيمة حمار والذهاب إلى سوق الأحد، لقد تبين لكل الناس أن الحمار مسروقة وليست ضائعة، هذا ما جعلهم يشددون الأربطة على أعناق الحمير.


كانت الحمار بيضاء، وبياض شعر الحمير لا علاقة له بالشيب ولا الحكمة.
وصل صاحب القرية إلى السوق وأعجبته حمار محناة، تفحصها ووجدها راشدة لا تنفخ في حضرته ولا تحرك ذنبها وتقوس الظهر المحنى كلما حاول الركوب عليها.
اشتراها بمبلغ زهيد، وزاد إعجابه بها في الطريق إذ كانت تمشي أمامه حتى وصلت إلى البيت. قام بربطها تحت شجرة الدوم، وأمر عائلته بإخراج الغساول كجائزة للحمار المطيع.. والغساول هو الماء الذي ينظف به الصحون، يوضع في سطل بالمطبخ، ويضاف إليه بقايا الأرغفة اليابسة وبقايا الخضروات والفواكه وفتات الأطعمة.


أشادت المرأة بحنكة زوجها وَدَعَتْ له: سترك الله.. وين حصلكه؟
ظنت أن زوجها قد وجد الحمار، ولم تعرف أنه اشترى حماره المسروقة دون أن يعرفها، تلك حنكة اللص الذي استخدم الحنى للتمويه.


يجب أن تتعلم في الظرف العصيب:
الحنى على الحمار ليس جماليًا في سوق الأحد
الألفة تجلب الرشد بين الإنسان والحيوان
إعرف حمارك جيدًا.


كثيرون يشبهون صاحب الحمار، لا يملكون فطنة التعرف على أشيائهم ولا من يقف معهم.
كثيرون يطلون مواقفهم بالحناء يا بلاتيرو. منهم من يسرقك ثم باعك بأبخس الأثمان بتهمة الإرهاب. منهم من يضيعون أصحابك، تحالفاتك، سيقدمون لك الغساول وأنت تسير إلى المشتري الأدسم.


ستجد نفسك بلا بلاد وسينقلون البرذعة إلى ظهر غيرك..
اللهم احفظ حمارنا من الضياع إلى أن أفوز بجائزة على طريقة رامون، والله لا اشتري دايهاتسو لنقل الماء.

* مقال خاص بـ "المصدر أونلاين"

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء