لوكندة صنعاء!

في اللوكندة عرفت معنى الملامح، كانت معرفة متأخرة لأنني اكتشفت اللوكندة قبل الحرب بقليل.
كنا في صنعاء وقتئذ، وكانت اللوكندة الشعبية في شارع الرقاص، مأوى للراحة المؤقتة، مكانًا جيدًا لنقاهة أشخاص مفلسين، ذلك أنه من امتلك فائضًا من المال تحدث عن مكان أرقى: كوفي كورنر، هاواي. 


الفرق في التذكرة. إذا كنت تدخل في النادي من بوابة يتواجد بها رجل أمن وبتذكرة ممهورة بالختم الدائري، فلا بوابة للوكندة ولا هم يحزنون.
لم أتعرف في النادي على أحد..


في اللوكندة الشعبية، لاحظت الكثير من الوجوه التي ترتاد المكان يوميًا كما خمنت. في صنعاء تتصادف الوجوه، صرنا أصحابًا نتبادل الابتسامات وأحيانًا نطلب من بعض جريدة ما، تفصلنا مربعات من الطوب ترتفع ستين سنتيمتر تقريبًا، مجموعة تريد فيلمًا، أخرى تريد الجزيرة، الرجل الذي يصل يوميًا عند الخامسة ينزل عدسة نظارته ويفتح كتابًا مهترئ الغلاف، كثيرًا ما خمنت أنه اشتراكي عتيق "ضحك في رأسه الشيب" لكنه "لم يبك". التخمين على اشتراكية الرجل من عناوين الكتب التي يحملها، مرة كان في يده كتابًا لسارتر، وعلى حد علمي أن سارتر كان أحد أنصار الشيوعية في ذروة عنفها الأحمر.


رجل في المربع المقابل مدمن كلمات متقاطعة، أول ما ينظر إليه هي الصفحة الرابعة عشر ليخرب الجريدة، نعرف الوجوه فقط، وكل له صاحبه الذي يعرفه اسماً إلى جواره.
هناك مستبدون أنانيون إذا مسكوا مشرب الشيشة، الرماد يتعالى فوق صحن المجمر. الأجواء ضبابية من دخان ورماد.
نختلف في كل شيء، شيء يجمعنا.


هذا الضجيج يشبه مهارشة محمومة قرب جثة، طبع الكلاب حول جيفة على الكلب الغريب. هذا التعبير ليس سياسيًا، إذ لا يمكن التخمين عن الجثة: جماعة، أم مكان.
صنعاء جميلة. في النادي تبدو هادئة، ارستقراطية، منظمة كما لو أنها ملحقًا لمعبد في لندن.  في اللوكندة، ضاجة، بائسة، لكنها تملك أدلة الحياة!


يعجبني تفرس الملامح، بدا لي التخمين كلعبة الشطرنج، رياضة ذهنية، أنا الباحث عن الفوز في مربعات الخسارة.
سنتعرف على صاحب اللوكندة ليمنحنا امتيازات المعرفة: المسامحة برأس شيشة، الدين، حجز الأماكن عند مباراة الكلاسيكو.


حين يعرف أننا من شباب الثورة، سيسألنا عن "الهتّاف" صاحب الحنجرة الرخيمة الذي كان يردد هتافات الثورة من على المنصة، نعم، من منا لم يعرفه.
الغصة التي قلبت المزاج، حين عرفت أن "هتّاف الثورة وحنجرتها" مديون لصاحب اللوكندة بمبلغ وقدره، المبلغ الكبير مقابل عمل شيء تافه اسمه: النوم. الإنسان اليمني الذي اتخذت، الفضائيات حول العالم، من صوته صدى لمداخل تقاريريها، مديون مقابل شيء اسمه النوم. لقد شتمه صاحب اللوكندة واتهمه بالنصب لأنه لم يعد منذ أشهر، لم يعرف صاحب اللوكندة أن "هتاف الثورة" قد أصابه اليأس، وخاطر بالمغادرة عبر البحر إلى أقارب له في أفريقيا.


أشياء غريبة تلهمك به اللوكندة في صنعاء، سرعان ما ستكشف حملها للمتضادات.
حدثني صديقي الشاعر عامر السعيدي، في اللوكندة، عن شاب مبدع يحمل برأسه أفكارًا رائعة، لقد تمنيت أن أكون هذا الشاب لا لشيء، عدا أن تتلقى الإشادة من شاعر في وقت عصيب تحس أن هموم العالم تلامس الرئة وأنت لا تريد إفلات مشرب الشيشة، تخلخلت هذه الأمنية حين عرفت أن الشاب مغاليًا، قال عامر بأننا نحجر عليه كي لا يجاهر بأفكاره، أحيانًا يشطح فيقول أن لديه دين جديد وأنه نبي جديد بل وأشياء أخرى، هذه علته. وهي كبيرة جدًا بالنسبة لريفي من تعز، يجلس وسط لوكندة في قلب العاصمة..


ونحن نعيش الحرب، أفلس صاحب اللوكندة ولا نعرف أين هو.
تشردت الوجوه.. من مات، من بقي، من أصابته قذيفة، من التحق بجبهة قتال، من استبدل كتابه العتيق ببندقية عتيقة، من انتحر، شاشة التلفاز من استلبها وظفر بها، البلاط من اقتلعه، من طوّق صنعاء.


ما أعرفه، أن العزيز عامر، قد دخل متخفيًا إلى صنعاء للاحتفال بخطوبته، ثم غادرها، ويعيش لاجئًا، وأما الشاب المبدع صاحب "كل شيء جديد" فقد كفر بكل شيء وآمن بسلالة الحوثي.
خيرة الله

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء