الحدث الذي حرّك الجزيرة

كان سبتمبر يأتي ويذهب ولا أحد يعرف رأس سبتمبر من قدميه، مع أننا كنا نفرح بالأعياد الوطنية ليس لقيمتها النضالية ولكن نشوة بالإجازة، الأستاذ يغيب ونحن لا نذهب إلى المدرسة.

 

على مدى حكم صالح، لم يكن للأعياد الوطنية أي معنى، كل إنسان يفكر بحاله، هذه هي الحقيقة ربما، قد تكون بقدر من المبالغة، ذلك أن سبتمبر/ أيلول، يظهر بشكل مكثف في أغاني الفنان الكبير أيوب طارش، الفضول يخلد عظمة سبتمبر شعرًا وأيوب يغرسه في الذهن لحنًا وغناءا.

 

في هذه الإجازة، كان هناك رجال أعمارهم فوق الخمسين، يصعدون إلى الجبل ببنادقهم العتيقة، تستقيم الظهور المتقوسة على الضياح ابتهاجًا بسبتمبر، يحملون تلفزيونًا عاديًا  على جنباته لوحين ثقيلين لجودة الصناعة وقِدمها، ويحملون بطارية سيارة وإطارات تالفة، يحملون الماء بقوارير والطعام وسط شوائل.
نحن في أواخر التسعينيات، والبلاد بلا كهرباء، لا ماء، لا طريق، لا إله إلا الله، ولا زعيم إلا المخلوع.

 

القدامى في الجبل يسمعون أغاني أيوب لسبتمبر. يعرضون الرصاصات الصدئة على الشمس لتكون جاهزة للإطلاق ليلًا.
قلة يعرفون قيمة 26 سبتمبر، أما الغالب فكل مشغول بحاله.
كل هذا الابتهاج، ولم يتحقق للبلاد شيء، غير مدرسة بفصول شعبية بلا أبواب ولا نوافذ.
اليوم يعرف الغالبية قيمة 26 سبتمبر، أما القلة فهم زعلانيين من الثورة المجيدة.

 

سلوكيات الحوثي استنهضت معاني ثورة سبتمبر، ويكفي المليشيات الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة الكم الهائل المتأهب لـ26 سبتمبر، سيعتبرون ذلك استفتاءًا ضدهم، سيعرفون أن وزنهم يقاس بعيار الريشة، أن الثورة تغلي في أوردة الشعب الصابر، أن استعادة نظام ما قبل 26 سبتمبر محض أمنيات مستحيلة وإن جئت بثوب جمهوري زائف، ادعيت المدنية، ارتديت ثوب النبي أو ثوب ماركس.

لم يعد عيد الثورة للإجازة، لقد صار بتعبير الباحث محمد صالح «أعظم وأهم حدث حرك الجزيرة العربية بعد الإسلام، سبتمبر عليه السلام».

 

يكفي أن تقرأ مذكرات الأجانب في زمن الإمامة لتعرف قيمة الثورة، الواحد يطالع فصول من كتاب ويستحي. توقفت بمبة المياه الخاصة بمزرعة الإمامة لأشهر وربما لسنوات، من يصدق أن الإمام وحاشيته وكل من حوله لم يعرف أن السبب "الخبطة"، وقد أصلحها رحالة أجنبي فقربه الإمام منه ومنحه امتيازات مؤمنًا بعبقريته!.
طبيبة فرنسية، تتحدث عن انشغال الإمام بلعبة القطار، عن السلك المفصول الذي ضج القصر له فذهبوا للبحث عمن يصلح سلك اللعبة..

 

رحالة إيطالي، يتحدث عن استئذان الإمام للدخول إلى المملكة المحرمة، عن أناس بلا أحذية، وحده الإمام من يملك مداسًا جلديًا وحاشيته.
دبلوماسي روسي، يتحدث كيف أن الإماميين حاولوا اقناعهم أن برنامج الحزب البلشفي يشبه القرآن
عن الجهل، وكل شيء للأبناء.

 

كدت أنسى الرحالة الألماني الذي ذكر أشياء محرجة، من بينها "المسجل" ظن الإمام أنهم جواسيس، قبضوا عليه، ظل أيامًا يشرح لهم، ولقد سجل صوت الإمام وأسمعه، فظل الإمام يتأمل المسجل كما لو أنه معجزة، عن الانسولين الذي ناوله الرحالة لبعض المرضى فهدأت أوجاعهم حتى ظنوه صاحب كرامات.
في ذلك الوقت؛ الكثير من أفراد الأسرة المالكة كانت في الخارج، تدرس وتسكر وتدير العلاقات.

 

هناك فيلم سينمائي مصري، لا أذكر اسمه الآن، يتحدث عن الثورة، يظهر مشهدًا، مثل القطار، ويصور كيف كان الإمام يخدع الناس، هذا المصطفى التقي، الزاهد الورع، كان لديه شنطة عليها آية كريمة "لا يمسه إلا المطهرون" عندما تعطلت لعبة القطار، سيضبح ويفتح الشنطة، لم يكن فيها القرآن كما يعتقد المشاهد للوهلة الأولى، وإنما قوارير خمر، حسب الفيلم، لا يمسه إلا المطهرون.

 

في ذلك الوقت كان التجهيل سياسة، كمثل هذا الوقت تحديدًا. فهم الناس تلقائيًا أن حلف صالح والحوثي يريد العودة إلى ما قبل الجمهورية، لأن الجامعات مقفلة، الطلاب يقتلون، لأن المدارس حولتها المليشيا إلى ثكنات، لأن أبناء "اللي فوق" في أمريكا.

الناس يفرحون بسبتمبر كي لا ينعدم وجود مهندس للبمبة إذا ما "ابتسقه الخبطة"!.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء