العيد الذي كان

كنتَ تنام والجذل يتفاقم بين أضالعك، تعبتَ في انتظار العيد، أمك تعبت من تنبيهك: يكفي تفقدك للبدلة كل ساعة وساعة. أنت لم تمل، في كل حين تعود بصاحب لتفك الكيس وتريه ملابسك الجديدة، ويأتيك صاحب لتذهب وتنظر بدلته.


كثرت الأعطاف على الملابس، ونما الحقد البريء على ذلك الذي امتنع من إخراج بدلته، لقد منعته أمه من عرض البدلة عليك، سامحه، أمه/ا،  لا تريد للملابس أن تتسخ، وهو يتغنى بعنصر المفاجأة.
وأنتِ، كانت القباضات العاجية على شكل طاووس في انتظار اللحظة المناسبة ليختال الطاووس على ظفيرتك.


كان للعيد طعم، أما الآن فقد كبرتَ وكبرتِ، وأصبحنا جميعًا نتحين اللحظة المواتية للعيد لنعبر بالايموجرافيك عن الحزن الافتراضي، أنت تهرب، نسيت الأيام التي كنت ترى في الكبش أعجوبة تتلهى بها، ألعوبة تسليك من آخر شوال وحتى العاشر من ذي الحجة، اليوم الذي يتساوى فيها العالم باللحمة، ويشرب المرق والليم.


كنت تتدلل بأفراد أقاربك الذين جاؤوا من المدينة لقضاء إجازة العيد في القرية، تثير حسد أترابك وتحاربهم بالوشاية كي لا يقتربوا من أقاربك المدنيين، كنت نرجسيًا في العيد فقط، أما بعده، وبعد أن يذهب العيد وذيله وأقاربك، فتعود لعترها لميس، تعود أنت أنت بين الجميع واحد منهم.


أما الآن فقد صرت معتزلًا، تقضي وقتك خلف وميض الشاشة، مجذوبًا في زوايا الحزن، تتلقف أخبار الحروب، ثم تعود بحثًا عن اللايك.. تقتفي أثر شقراء انزلق مؤشر الماوس بالغلط إليك فضغطت على تلك الأيقونة: إعجاب.


أنتِ الجذلة بقباضة الطاووس، التي حظيت بقرون الجدي بعد ذبحه لتتأمل بهما، تحدقين إلى العالم باسم مستعار وصورة مستعارة، اسودت مآقيك، وتفشت البثور على وجهك الغض، الكبرياء الذي تصنعيه من اقتباسات أدب النساء وفذلكات التنمية البشرية، مزيف. غيابك الذي تدعيه لنقاهة العيد، مزيف. أنت تعيشين حزن الحرب وتراقبين العالم من خلف الشاشة ذاتها.


لقد كنت تنام ليلة العيد، والحذاء الجديد على قدميك، وثغاء الكبش في أذنيك. لقد اغتسلت بعد أذان العشاء بالتوقيت المحلي لأقرب مسجد مستعجل على العيد، ولبست كل شيء، ثم استرخيت على الفراش في انتظار مطلع الفجر.


لم يعد عيدك عيداً، وأنت كبير هذه السنة.
ولا بهجة للصغار الذين حولك.
كسوتهم من عيد الفطر، وربما كانت مخبأة من الأعياد السالفة.
والكباش، على رخصها، لم تباع. 


أما الأقارب الذين كانوا في المدينة، فقد تساووا مع أبسط محروم من صحبتهم قبل سنين، صاروا أكثر قروية وأكثر بؤسًا، تركوا منازلهم المحاصرة في المدينة وجاؤوا نازحين.
ولا تستوي إجازة العيد وإجازة النزوح.


كبار السن، يرتدون الفوط المتجعدة، من الحرب شاخت خيوط الملابس، انظر جيدًا، كان الصف الأول في مصلى العيد يزهو بفُوَط القطن الهندية، والصف الأخير بقريحات البهجة، باليلقات، بربطات العنق التي تختلف بالربط بين رقبة ورقبة، لقد تخيلت قبل الحرب أن بعض الأمهات يقمن بربط الكرفتة كما لو كانت ربطة في عنق كبش.


الملامح متساوية الآن بين الكبير والصغير. خلف كل وجه مأساة، الحرب الحرب، هناك من فقد الأخ، الأب، الصديق، الابن، هناك من فقدت الزوج، الطفلة، الابن الوحيد..
هناك فقد يعم وفَقْد يخص.
وهناك لعنات تنصب على من ألحق الفقد لهذه البلاد.


أنت فقط، اسمع يوم العيد، انظر لوجوه الناس كي تتخفف ملامح الأسى، الاختلاط قوة، إلا إذا اختلطت وجوه الحزانى فإن الحزن يضعف.


اخرج من هذه القوقعة، دعك من الملابس الجديد، إلبس الحذاء "المبسوق"، لا تتحرج من عدم النحر بأضحية للعيد، فقد ضحينا بما هو أجل وأقدس، وسالت دماء إخوتنا في شوارع البلاد.

 

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء