أغسطس.. الرحيل بلا موعد

في أغسطس، تُغْيِم في الصباح، الشمس لافحة في الظهيرة.

أغسطس الرعد، تمشي السحابة دون أن تنزل قطرة، وفي أغسطس سحابة تصب الغيث بلا رعد.

أغسطس، الفاجعة والحزن. والراحلون بلا موعد.

 

هذا ما يبدو عليه هذا الشهر تقريبًا، علي الفلكيين أن يدمجوا جميع الأبراج وينشروا في صفحات التسلية: هذا شهر غريب ومضطرب.

ولكن أين الصحف؟

يأتي أغسطس محملًا بالأنباء الموجعة، قبل أن يُكبّر الناس فرحين بعيد الأضحى: الله أكبر.. الله أكبر.

قبل سنة استشهد أخي محمد في هذا الشهر.

 

في أغسطس القديم، أيام المدرسة، كان محمد ضمن الجمهور المتفرج وأنا على واجهة المسرح القروي لأول مرة مع الأستاذ القدير محمد الياسري، طار الأستاذ بموهبته الفذة للعمل في التلفزيون بصنعاء، وبعد سنوات وصلت إلى صنعاء للدراسة في كلية الإعلام. أما أخي محمد فظل في البلاد يتنقل بين فصول مدرستنا المتداعية.

 

في أغسطس 2014، سأتذكر الدور التمثيلي الذي قمت به، بعد فوات موسم الدراما، لقد كنت متأهبًا لكتابة مسلسل كوميدي، حفزني الصديق أسامة الصالحي، مازالت البلاد تفتقر إلى كتبة سيناريو، قال لي، يكفيك مسلسلًا في السنة لتعيش بلا اكتداح. عدت متحمسًا وقرأت حول الأنماط العشرة المستخدمة في الكوميديا، تقنيات الكتابة الكوميدية، وكتاب عن الضحك وعلم النفس فيه ملاحظات لفرويد، فعلت ذلك لتجنب سطحية الضحك كما ظننت، لكي نضحك بعمق.

كان أخي محمد يخدمني لأكتب بتركيز، وقد وعدته بأن أزوجه من هذا السيناريو.

كان شكل محمد الياسري أمامي، فكرت الاستعانة به، كنت أعرف أنه قد نثر الكثير على الورق: مسلسل، حلقات غير مكتملة، أفلام، قفشات، أفكار برامج، اسكتشات. لكن التسويق هضمه كثيرًا، لجهل الإدارات المختلفة ببن علي، لقدومه من خارج التخصص ربما.

 

قال لي أسامة الصالحي، وقد واتته جملة بدت لي من نشوات اللادينيين: السيناريست يحيي ويميت!

"يحيي ويميت"! استغربت.

ليوضح فيما بعد، أن أحد كتبة السيناريو حضر إلى مواقع تصوير مسلسله، لم يعجبه أداء إحدى الممثلات، فقام على الفور بصياعة مشهد طارئ أعلن فيه موت هذه الشخصية.

***

 

أغسطس 2015:

البلاد في جحيم الحرب، لا مجال لكتابة المسلسل، المتارس تتفشى في مواقع التصوير كالدمامل على الجسد الواهن.

أخي محمد في مترس.

أستاذي محمد الياسري، نزح من صنعاء إلى مأرب.

 

***

أغسطس 2016:

كنت قد افتقدت الكثير من أصدقائي، من أبناء العزلة فقط أكثر من عشرين شخصًا، كانت الحرب تحوم حولنا نحن القاعدين، لندفعها بحمل السلاح. كانت البندقية أثقل من جبل ثم صارت أخف من ريشة.

الأوضاع الصعبة أعادت إليّ فكرة المسلسل مع الفراغ الذي نعيشه. قررت مواصلة الكتابة الكوميدية، أي موقف يستدعي الضحك أضعه على رأس قلم، في تلك الفترة كانت برأسي حالة افتراضية سأكتبها حول محمد أخي، أخي محمد في المدينة وأمي تستفسرني بالدخلة والخرجة: اتصلت بمحمد؟

كنت أطمأنها، لأن إعجابا واحدًا كان يضعه أخي الذي يصغرني بخمس سنوات، يجعلني مطمئنًا، أقول لها: هو بخير، نعم كلمته في الليل.

في أخر ليلة كلمته نعم. سألته عن الرواح، قال لي قريبًا.

كانت الفكرة تتخمر في رأسي، سأكتب عن موقف لمحمد وحذائه والسيارة، أذكر ماكنت سأكتبه:

"كان أخي محمد صغيرًا يبيع لجدي منديل القات، يبيعه على السيارات المارة، وحين ينهي من البيع يظل يلعب في الطريق. كان مع ريان بن خالتي، يرشقان السيارات بأحذيتهما، الفائز من يقع حذاؤه على أكبر عدد من السيارات.

عَلَق حذاء محمد "بصدَّامةْ" السيارة المسرعة، شرع أخي محمد بالركض خلف السيارة لأكثر من نصف كيلو، ثم قعد يبكي على حذائه الذي سافر إلى المدينة بغير قصد.

السيارة اليوم ممنوعة من الوصول إلى المدينة، لأن المليشيا تحاصرها.

أما أخي محمد ففي المدينة يدافع عنها، يكافح كي يفتح منفذًا للسيارة".

كان فكرة هذا البوست يوم الجمعة، صبيحة السبت 27أغسطس. أجلت نشره لخلل فني بالشبكة.

في الظهيرة كانت الفاجعة الكبرى: استشهد محمد.

ومنذ ذلك اليوم لم تعد ثمة إشارة للاطمئنان على محمد، لا إعجاب ولا اتصال، منذ ذلك اليوم وأمي تسترسل شاردة في الأفق.

 

***

بعد سبت أغسطس، تلقيت الكثير من برقيات التعازي والمواساة، معزون ماتوا، مثل الصديق محمد عبده العبسي.

وفي منتصف هذه السنة تلقيت خبرًا عن إصابة الأستاذ بن علي الياسري بجلطة، على إثرها كتبت هنا، وأنا أتذكر دوري المسرحي الذي قمت به مع بن علي، تمنيت أن تكون الجلطة حركة تمثيلية.

لقد عاد الأستاذ إلى الحياة، بل وعلق على المقال.

الله أكبر من السيناريست الذي يحيي ويميت.

حتى أتى أغسطس، ليعمق الجراح أكثر فأكثر.

 

في أغسطس 2017:

ماتت امرأة في منطقتنا بسبب الكوليرا. لأول مرة أمشي خلف جنازة امرأة منذ بداية الحرب تقريبًا.

استشهد صديق شاب، وحيد أمه وأخواته.

استشهد شاب، ابن شهيد تم الغدر به وسحله بطريقة شنيعة.

ثم.. مات بن علي

 

 

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء