معطف أكاكيفيتش

مات أكاكيفتش كمدًا، لأن أحد المسؤولين عامله بازدراء ولم يشعره باحترام.

قصة المعطف لنيكولاي غوغول ليست مجرد قصة، أستشعرها وأنا نازح في الزاوية في القرية، أتعرق متخيلًا اليمنيين وقد تحولوا إلى أشباح ينزعون المعاطف من أكتاف المسؤولين.

في الوقت الذي تقرأ فيه عن الجرحى مبتوري الأطراف، ومعاناتهم المزرية في الداخل، ومحاولات إيجاد كوة يتسربون منها إلى الخارج لإيجاد العكاكيز والعربات، في نفس الوقت تحديدًا تقرأ عن الدبلوماسيين اليمنيين وهم يحشرون أبنائهم في مناصب مختلفة في السفارات، أو في تلك الأماكن الذي يتوفر فيها الهدوء والكراسي الوثيرة المترأسة لأرائك ذات نمارق مريحة للظهر ومحافظة على المؤخرات من البواسير المحتملة.

مع تفاقم معاناة الناس في الوطن، تزداد اللامبالاة لدى المسؤولين اليمنيين في الخارج، قد يمتلك الأولاد مؤهلات الوظيفة المرفقة بشهادات الخبرة والكفاءة، نحن جناة عليهم ولكن في مرحلة غير هذه المرحلة، مع تفاقم المعاناة واشتداد الشظف وتعنت الحوثيين ترتفع نسبة التضحية وتشتد أزمة المواطنيين الذين يعقدون آمال الحل على الشرعية، وحين ينظرون إلى الشرعية يجدون رجالها يحشرون أبنائهم في المناصب، هل تخيلتم الصدمة والوجع الذي سيصيب جريح بترت أطرافه ولم يجد منحة علاجية للخارج، هل تخيلتموه والخبر يتهادى إلى مسمعه كما لو أنها رصاصات رشاش يطلقها العدو لا قرار مسؤول صديق يرسل ابنه إلى منصب بسيط؟

ليست الأهمية في المناصب البسيطة التي يتبوأها الأولاد، السفير الفلاني عين ابنه سكرتيرًا له، والمسؤول الفلاني استصدر قرارًا لوالده كملحق في دولة ما، أما الوزير الفلاني فقد عين نجله مديرًا لمكتبه، نقرأ هذه الأيام، لم تكن لتعيينات مثل هذه أي أهمية قبل الحرب، أما في الحرب فالأهمية تكمن في احترام مشاعر المخدومين.

1842، خرجت الرواية القصيرة لغوغول، العمل الذي سيعتبره الأدباء الروس استثنائيًا يتعلمون منه القص، حتى ديستوفيسكي نفسه: "الأدب الروسي خرج من معطف غوغول".

أكاكيفيتش هو صاحب المعطف، يعمل في النسخ في دائرة حكومية ما، رجل خمسيني خجول لا يهمه العالم، يعيش واحدًا، يلقى سخرية من زملائه في العمل، لديه معطف وحيد رث ومتهالك، يظن أنهم يسخرون منه بسبب المعطف، يقرر أن يرقع معطفه، لكن الخياط لا يستطيع "المعطف مهترئ تمامًا يتساقط إلى قطع إذا ما لامسته إبرة"، يقرر أن يفصل معطفًا جديدًا يقتصد في النفقة على نفسه، هو بلا زوجة ولا أولاد، يتحول المعطف إلى هاجس، يستولي على حياته كلها حتى أنه "وطّن نفسه على العيش بدون مأكل طوال فترات المساء" كان المعطف هو المأكل والمشرب والزوجة والرفيق، بعد أشهر من المجاعة وأشهر من التفصيل، يخرج المعطف، يثني عليه زملاؤه، يرد بتلكؤ وهو لايعرف بروتوكول الرد على التهاني، يقيمون حفلة على شرف المعطف.

يخرج أكاكيفيتش كما خرجنا ضد الانقلاب، يخرج من بؤس الشارع الذي يقطنه، ينبهر بأضواء الشوارع الأخرى في طريقه للحفلة، أثناء العودة في نصف الليل يعترضه لصان يضربانه ويسرقان المعطف، الشرطي يستهزئ به، وبعد أن يغتم طويلًا يقترح له زميل في العمل أن يذهب إلى شخص مهم هو المسؤول، عن طريق هذا المسؤول ستتحرك الدولة لإيجاد المعطف.

المسؤول يتبجح أمام صديقه بقدراته الإدارية أمام المخدومين، السكرتارية توقف أكاكيفيتش كي يرى صديق المسؤول قدرات صاحبه، بعد دقائق يستهزئ به حين يعلم أنه أكاكي جاء من اجل المعطف، يزدريه.

يعود أكاكي مصابًا بالحمى، يهذي بالمعطف وحضرة المسؤول.. ويموت.

"وهكذا زال واختفى إلى الأبد إنسان لم يفكر أحد من الخلق في حمايته، ولم يكن عزيزًا على أحد، ولم يكن أحد يتهم بأمره لا من قريب ولا من بعيد.... إنسان تحمل هزء وسخرية زملائه من غير أن يتذمر ويعبر عن احتجاجه".

النهاية مرعبة ورائعة، شبح يتجول في سان بطرسبرج في هيئة كاتب من كتبة الحكومة، ينتزع المعاطف من فوق أكتاف أصحابها، يرعب المسؤول المهم نفسه ورجال الشرطة، شبح في آخر كلمتين "ابتلعه الظلام".


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك